تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو نكل المقر صاحب الحق عن اليمين لهذا الذي ادعى عليه أنه دفع إليه لأخذ منه المائة دينار التي ادعى عليه، ودفر منها خمسين إلى صاحبه الذي أقر له صاحب الحق بأنه هو الذي دفع جميع الحق إليه.

وأما لو قال: ما بقي لي عليهما شيء، ثم قال، بعد ذلك، لما سئل: فلان منهما هو الذي دفع ذلك إلي، فإن ابن القاسم أطلق الجواب فقال: صاحب الحق شاهد، فإذا كان عدلا حلف معه من أقر له، واستحق الرجوع على صاحبه. ولم يقتد قوله هذا يكون المقر عين من دفع إليه متصلا بقوله الأول أو منفصلا. فكأنه أشار بهذا إلى أن قوله ما بقي لي عليهما شيء. ظاهر هذا القول يقتضي أنهما جميعا دفعا إليه, لأن أصل الدين عليهما جميعا وإنما شرط الطالب لهما أن يطلب من شاء منهما فكأنه إذا أخذ منه الجميع فقد أخذ نصف ذلك عن الدين الذي على الدافع إليه والنصف الآخر بالحمالة عن صاحبه، والأصل أن الإنسان إنما يطلب بما عليه في نفسه. وقوله بعد الانفصال من قوله الأول: فلان منهما هو الدافع، فكأنه كالرجوع عن مقتضى قوله الأول، وقد اقتضى قوله الأول كون الدفع منهما جميعا، فيكون على مقتضى هذا التعليل بريان جميعا من طلبه إذا لم يكن يعينه لأحدهما نسقا بقوله الأول. فإذا لم يحضر كل واحد منهما دفع صاحبه وحلف لمن أنكر أن يكون هو الدافع إليه، وحلف أيضا هذا الذي أنكره أن يكون دفع إليه على أنه دفع إليه ما ينوبه بحسب ما اقتضاه كلامه الأول. (ويرى ولا رجوع لأحد الغريمين على صاحبه إذا وقعت الأيمان بينهما) (1) وإذا كان الكلام والتعيين متصلا بقوله الأول، ولم يكن عدلا، حلف كل واحد من الغريمين لصاحبه. وإن كان عدلا قبلت شهادته في التعيين لارتفاع التهمة عنه في شهادته إذا اتفقا على أنه لم يقبض سوى مائة واحدة. فصار محصول قوله أنه شهد يكون أحدهما استحق أن يرجع على صاحبه بنصف الذي قضاه عنه. وإذا لم يتفقا على ذلك صار كل واحد منهما مدعى عليه فلا تقبل شهادته عليه. وإذا لم يكن الكلام منسوقا أعطى الجملة الأولى وهي قوله: ما بقي لي عليكما شيء أظهر محتمليها عنده وهو كون الدفع منهما جميعا.

وإذا عين بعد ذلك من دفع إليه، ولم يتفقا على إبرائه، طلباه بمقتضى قوله الأول، وكان الحكم ما ذكرناه.

ويتخرج على أصل المذهب قول آخر أنه يقبل قوله في التعيين كان ذلك منه متأصلا (1) بكلامه الأول، أو منفصلا عنه, لأن اللفظ المحتمل يقبل تفسير قائله له، فسره متصلا أو منفصلا.

وهذا هو التحقيق على مقتضى الأصول، إلا أن يكون أحد محتملي الكلام أظهر من الآخر فينظر في قبوله (2) تفسيره إذا لم يكن متصلا.

ومما يلحق بهذا اختلاف من له الحق مع الحميل في الجنس الذي تحمل به، مثل أن يقول الحميل: تحملت لك بألف درهم، ويقول المتحمل له: بل تحملت لي بخمس مائة دينار. ويكون الفتحمل عنه صدق من له الحق، فإنه ها هنا يكلف الحميل إخراج الألف درهم من ذمته التي أقر بها للطالب، ويشتري بها ما يدعيه الطالب. فإن وفت بخمس مائة دينار سقط حق الطالب، وبرىء الحميل، وتبقى المطالبة بين الحميل وبين من تحمل عنه. فإذا غرم المتحمل عنه ما أقر به من الخمس مائة دينار، التي ادعاها الطالب عليه، بيعت أيضا واشتري بها الألف درهم التي غرمها الحميل عنه. فإن وفت برىء كل واحد من طالب ومطلوب وحميل، وإن زادت لم يستحق الحميل هذه الزيادة لأنها أكثر مما أداه عن المتحمل عنه، وترجع للغريم. وإن انقضت (3) عن الألف درهم التي أداها الحميل حلف المتحمل عنه أنك لم تتحمل عني بالألف درهم التي أديت عني، بل بما أقررت به وبرىء من النقص. وإن نكل حلف الحميل واستحق وطالب بهذا النقص من أداه عنه.

ولو اختلف الثلاثة فقال الحميل: تحملت بألف درهم، وقال الطالب: بل

بخمسمين دينارا، وقال الغريم المتحمل (عنه ابنا علي) (1) مائة إردب قمح، فإن القول قول الغريم، فيما يقر به فيؤخذ منه القمح، ويباع، فإن وفى الخمسين دينارا التي ادعاها الطالب، وإذا سقط حقه برىء الحميل لسقوط حق الطالب لهما، وسقطت الأيمن عن جميعهم. وإن كان القمح إذا بيع لم يبلغ ثمنه الخمسين دينارا التي ادعاها الطالب، ولكنه بلغ الألف التي أقر بها الحميل، أخرت يمين الحميل رجاء أن ينكل الغريم عن اليمين فيغرم للطالب ما ادعاه إن كان موسرا. وإذا حصل الطالب على من (2) ادعاه سقطت اليمين عن الحميل.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٤٦