وأما على القول بأن الحميل يطلب مع إمكان أخذ الحق من المتحمل عنه، فإن القسمة (1) ها هنا تصح لكون الحقين جميعا قد وجب أداؤهما ..
وأما لو كان الغريم المتحمل عنه موسرا حين الدفع عنه، ومعسرا الآن، فلا فائدة في القسمة ها هنا, لأنه يجب عنه الآن الأداء لعسره، فلا فائدة للدافع في كون ما دفع مقسوما لوجوب قضاء الحقين عليه.
وإن كان الغريم موسرا يوم (2) الدفع ومعسرا الآن، لم تفد القسمة لوجوب الحقين جميعا على الرجل الذي عليه القرض، وعليه: أي ما تحمل به لكون من تحمل به معسرا.
ولو كان (يعكس بذلك يكون) (3) الغريم معسرا يوم الدفع وموسرا الآن، وقلنا: إن المتحمل (4) له مطالبة الحميل.
وإن كان الغريم موسرا فإنه أيضا لا فائدة في القسمة لأن القابض يقول للحميل: لي طلبك بالحمالة، وإن كان من تحملت عنه حاضرا موسرا.
وما ذكرناه من القسمة أيضا إنما يصح إذا كان القرض والحمالة قد حلا
جميعا ولم (1) يحلا، وأصلنا لو حل أحدهما دون الآخر فإنه لم يختلف أيضا وأن القول قول من زعم أن المقبوض مما حل لا مما لا يحل, لأن ما حل قد وجب فيصرف القضاء إليه، وما لم يحل لم يجب، فلا يصرف الدفع إليه.
فتلخص من هذا أن من له الحق إذا استحق طلب كل واحد من المدينين لم يجر اختلافهما في النوع الذي قصد في القضاء، ومتى لم يستحق الطلب بأحد النوعين حمل ما دفع على ما استحق أخذه لأنه يدعي عليه أنه يتطوع بما لم يلزم، فيكون القول قوله في أنه لم يتطوع.
وعلى هذا أيضا يجري ما قلناه: إن الحقين إذا حلا فقد وجبا جميعا، وإذا لم يحلا فقد تساويا أيضا في نفي الوجوب، وإن حل أحدهما، فالذي حل قد وجب والذي لم يحل لم يجب، فلا يحمل بما دفع على التطوع وقضاء ما لم يجب.
هذا هو المنصوص في الموازية، كما قدمناه، وقد سلمه بعض أشياخي.
ولكنه قدح في كون الحقين لم يحلا، ورأى صرف القضاء إلى القرض، لكون الحمالة لم تجب، فيقول الدافع: تطوعت بقضاء ما علي دون ما ليس على.
وهذا الذي قاله لا يتضح, لأنه متطوع بالتعجيل في الحقين جميعا.
ومما يلحق بهذا الذي نحن فيه (أن رجلا لو) (2) كان له ذكر حق على رجلين وقد شرط: أيهما شاء أخذه بحقه. فقال: لم يبق لي عليهما حق، فإن وصل هذا الكلام بأن قال: لأن فلانا منهما أخذته بجميع الحق، وهو دفع جميعه إلي. واتفق الغريمان على أنهما لم يقبض منهما سوى مائة دينار واحدة، وهي جميع الحق لأن الدفع كان بمحضرهما جميعا، فقد أسقطا عنه المطالبة، والادعاء عليه، وصارت الدعوى مترددة بينهما. فإن كان واحد منهما يقول
لصاحبه: أما (1) كنت الدافع إليه. فيقبل إقراره أن فلانا منهما هو الدافع إلي، وإن لم يكن عدلا, لأنه لو أنكر الدفع أصلا لكان القول قوله. فإذا أقر به لأحدهما فقد سقط حقه عنهما وسقط حقهما عنه في أن لا يطالباه في إقرارهما في أنه ما أخذ أكثر مما وجب له، فتبقى الدعوى مترددة بين الغريمين، فيحلف المقر له بأنه هو الدافع لصاحبه، وأن صاحبه لم يدفع من الحق، فيستحق بيمينه الرجوع بنصف ما دفع على صاحبه, لأن الدفع ثبت له بإقرار المقر له وصار صاحبه مدعيا عليه أنه قد سقط عنه ما قضى عنه، فلا تقبل دعواه إذا حلف المقر له. فإن نكل المقر له، وحلف الآخر، كان هو المستحق الرجوع بنصف الحق على المقر له, لأنه يقول: أنت تعلم أني أنا الدافع، والمقر لك أقر بباطل، فإذا لم تحلف على دعواي، فقد رددت اليمين علي فيحلف (ويستحق ما تقتضيه دعواي عليك) (2). وكذلك لو كان المقر نسقا (3) قوله: فأبقى (4) لكما علي شيء، بقوله: وفلان منكما هو الدافع إلى فلان، فإن القول قوله في أن الآخر لم يدفر إليه شيئا. ولكن إذا لم يحضرا جميعا الدفع ولا علم عند أحدهما ببطلان ما ادعاه صاحبه، فإنه لا يصح أن يكون ها هنا شاهدا لمن أقر له, لأن الآخر مدعى عليه بأنه دفع إليه فأنكره، فلا يكون إنكاره شهادة على من ادعى عليه، ولكن يحلف له على أنك لم تدفع إلى شيئا. فإذا حلف له سقطت دعواه، ووجب أن يرجع المقر له بنصف ما دفع على صاحبه هذا الذي ادعى الدفع وحلف له جاز ادعى ذلك عليه.