ولو كان اللفظ وقع بأن قال: أيكم شئت أخذت بالدين الذي لي على فلان. ولم يزد على هذا اللفظ، لم يقتض هذا اللفظ كون الواحد منهم إذا غرم يرجع على صاحبه حتى يساويه.
ولو قال: كل واحد منكم حميل بجميع المال، لاقتضى هذا حمالة بعضهم عن بعض على ظاهر ما قيل في ذلك. وكأنه لما أتى بلفظة "كل" وهي
من ألفاظ العموم، صار كل واحد منهم حميلا بجميع المال، وكأنه تحمل بذلك عن صاحبه الذي شاركه في الحمالة.
ولو قال: أنتم حملاء بهذا المال، ومن شئت أخذت بحقي، لم تؤثر هذه الزيادة، ولم تغير الحكم الذي قلناه في التراجع. لكن يأخذ من شاء منهم بالحق، وإن كانت بقية أصحابه أملياء حضورا. فإن لم يقل ذلك جرى على الخلاف في أخذ الحميل مع إمكان الأخذ من الغريم.
وقد ذكر هذه المسألة في المدونة في الست حملاء وساوى بين أن يقول:
على أن بعضهم حميل عن بعض، أو على أن كل واحد حميل بجميع المال عن واحد أو اثنين أو ثلاثة.
وفي كتاب ابن المواز: إذا كانوا أربعة فقال لهم: أنتم حملاء بالمال.
فلقي صاحب الحق أحدهم فأغرمه جميع المال، فإنه يرجع على من لقيه من الثلاثة الحملاء بربع الحق. والمشهور خلاف هذا، وأنه لا يرجع الغارم بما غرم على أحد من أصحابه الحملاء. وهكذا في الموازية في موضع آخر منها،
وكذلك في المدونة؛ لأن الشرط إنما كان ممن له الحق أن يغرم من شاء منهم، فإذا استغرم أحدهم جميع الحق فإنما ذلك غرامة عمن تحمل عنه بأصل الدين، وليس غرامته عمن تحمل معه حتى يغئر هذا اللفظ كقوله: بعضهم حميل عن بعض، لوجب أن يرجع على من لقيه بنصف الحق الذي أداه. والذي في الموازية أنه يرجع بربع الحق، وهذا لا يظهر له وجه، إلا أن يكونوا مشترين للسلعة، فعلى كل واحد منهم ربع ثمنها، فالغارم لجميع الحق يرجع بهذا الربع على مشتري ربعها فيكون لهذا وجه، أو يكون المراد أن كل واحد تحمل بربع الحق، ومع هذا فله أن يلزم جميع الحق من شاء منهم. فإذا استغرم الحق أحدهم رجع هذا بالربع على من كان تحمل به. فهذا الذي يظهر في تأويل هذا المذهب. وقد ذكر في المدونة في حمالة بعضهم عن بعض في مسألة الست حملاء. وفي الموازية ذكر مسألة الأربعة حملاء، وقال في تفصيل حساب
تراجعهم الذي تركوه فيما بعد: سواء كان هذا الحق على الأربعة دينا عليهم، أو حمالة تحملوا بها عن غيرهم.
وهذا للإطلاق (1) المساواة بين الوجهين لا يصح، لأنها إذا كانت دينا عليهم فلقي صاحب الحق أحدهم، فأخذه بجميع الحق، فأما ما ينوبه من هذا الدين إنما غرمه عن نفسه، ولا يرجع به على أحد، وإنما يكون التراجع بحق الحمالة فيما زاد على ما ينوبه عن نفسه. فإذا كانت حمالة عن غيرهم (2) فليس على أحد الحملاء منهما في نفسه نصيب فيختص به ولا يرجع به على أحد.
فإذا لقي من له الحق أحد الحملاء الذين تحملوا عن غيرهم، والدين ست مائة، فلم يجد عنده إلا مائة، فأخذها منه، فإنه إذا لقي حميلا آخر طلبه بالمشاركة في هذه المائة لكونهما تساويا في الحمالة بها عن غيرهم.
وإذا كانا مشتريين في سلعة فلقي من له الحق أحدهم أخذ منه هذه المائة لا يرجع بها على أحد هن الحملاء لكونه من نفسه أداها.
وظاهر قول ابن المواز يقتضي أنها إذا كانت حمالة عن غيرهم فغرمها أحدهم فإنه إذا لقي حميلا آخر فمن تحمل معه لا يرجع عليه بشيء من هذه المائة.
وهذا لا وجه له إلا أن يكون المفهوم من هذا اللفظ عندهم أن تحمل بعضهم عن بعض إنما يكون بما زاد على نصيب كل واحد منهم إذا قسم الدين عليهم فيكون لهذا وجه، ولكنه بعيد ميت مقتضى اللفظ الضابط لما يوجب التراجع أو لا يوجبه.
وأما تفصيل حساب التراجع، فالقول فيه على الجملة إنهم إذا تحمل بعضهم عن بعض فإن الفكر إنما يتعب في هذا حتى تحصل المساواة بين من