واعلم أن الذي قاله الشيخ أبو إسحاق من أن الأصل ألا يحلف أحد ليستحق آخر مالا صحيح مسلم. ولكن إذا لم يكن للحالف فائدة في يمينه سوى أن يملك رجك بيمينه رجلا آخر مالا، وهاهنا يمين الشريكين إذا مات الثالث عديما أفادتهم سقوط غرامة نصيبه بما حلفا: أللهما (1) يستفيدان بما نفي غرامة محنهما (وهي الغرامة عنهما) (2) ويمينهما على الشاهد صدق يتضمن تصديقه في كون الورثة يستحقون هذا الثلث، وإن حلفا على ما يفيدهما، وتضمن ذلك ما يفيد غيرهما ضاعت ها هنا اليمين، وانسحب يمينهما على ما يفيدهما، لأنهما أمران متلازمان، فإثبات أحدهما يقتضي ثبوت ما يلزم عنه. وقد وقع لهذا نظير تكلمنا عليه في كتاب البيوع في يمين أحد المتبايعين على ما القول قوله فيه، ويضيف إلى ذلك ما القول فيه قول خصمه.
لكن يفتقر في هذا الاعتذار عن الشيخ أبي محمد إلى اعتذار آخر عما نقضه به الشيخ أبو إسحاق وهو قوله: هلا أفادت يمينهما أيضا إسقاط الطلب بالثلث عن الورثة كما أفادت تمليك الورثة الثلثين. والعذر أيضا عن هذا بأن الورثة قدروا أنفسهم أن يحلفوا مع الشاهد ويسقطوا الغرامة عن أنفسهم، فلما نكلوا صاروا ممكنين للبائع من يمينه على ما نكلوا عنه، فإذا مكنوه من ذلك وحلف استحق طلبهم بالثلث بخلاف الثلثين، فإن إقرار الشريكين بأن الشريك
الثالث دفع ذلك عنهما من ماله، وسقوط حق البائع بينهما يقتضي أن يؤخذا بمضمون ما حلفا عليه وهو كون هذين الثلثين صارا ملكا للميت.
هذا حكم قبل (1) الشريكين: إنا لم ندفع لشريكنا مالا. وأما لو قالا: دفعنا إليه المال ليدفعه عنه و (2) عنه،؛ فإن الشريكين ذكر في المدونة أنهما يحلفان مع الشاهد، ويبريان مما عليهما من ثلثي الثمن، ويبقى طلب البائع على الورثة لأجل نكولهم عن يمين قدروا على أن يبرئوا أنفسهم بها. ولكن من حق الشريكين أن يحلفا الورثة أنهما لا يعلمان أنهما دفعا لأبيهما هذا الثلث الذي دفعاه إليه من مالهما ليدفعه عن نفسه إذا كان الورثة ممن يظن بهم علم ذلك، كمدع يدين على ميت طلب يمين ورثته على أنهم لا يعلمون ذلك.
وتعقب الشيخ أبو إسحاق أيضا هذا الوجه، وأشار إلى أن اليد دليل الملك، وما دفعه الشريك الثالث الذي مات من يده هو ملك له. ولا يقبل قول الشريكين إن ذلك ملكا لهما، كما لو كان حيا. وأما ها هنا فالورثة الذين محل (3) الميت الذي ورثوه فقد قدروا على أن يحلفوا ويكون ذلك ملكا لمن ورثوه، فتكلموا (4) عن ذلك، فصاروا بنكولهم كسقصي (5) حقهم فيه، وإذا سقط حقهم فيه صاروا كحائز أقر بأن ما في يديه لا حق له فيه، أو كمال ليس في يد حائز يدعيه.
ولكن مقتضى هذا التعليل أن يرجعوا إذا حلفوا على الورثة بالثلث الذي على أبيهم متى طرأ لهم مال, لأنهم حلفوا على تصديق الشاهد، والشاهد شهد بأنه دفع جميع الثمن، وثلث هذا الثمن إذا حكم يأنه من ماله كان للشريكين أن
يرجعا به على ما يطرأ للميت من مال. وهكذا قال ابن أبي زمنين أنهبم إذا ادعوا أنهم إنما دفعوا الثلثين خاصة بقي طلب البائع على الشريك الذي مات. وإن قالوا: دفعنا الجميع، وحلفوا على ذلك فقد أثبتوا يمينهم (1) على الميت استحقاقهم على الميت ثلث الثمن الذي عليه، فكان لهم مطالبته به.
والجواب عن السؤال السادس عشر أن يقال:
هذه المسألة مشتهرة بالست حملاء، ذكرها في المدونة، وذكر بعض تفصيل حساب التراجع بينهم، وأفردت بتواليف من جماعة من الأشياخ.
ونحن تقدم قبل الخوض فيها القول الضابط لما يوجب رجوع من دفع المال على من لم يدفعه منهم ومنعه من ذلك آخرا. فالذي ينجر إليه الأمر في هذا اعتبار حكم اللفظ الواقع من الحملاء هل هو نصر صريح في كون بعضهم حملاء عن بعض أو في كون بعضهم ليس بحميل عن بعض، أو يقع اللفظ مشكلا محتملا؟ فإذا قال الحملاء، وهم جماعة،: نحن نتحمل بهذا الدين، وبعضنا حميل عن بعض فلا خفاء ها هنا بأنه إذا غرم جملة المال أحدهم كان له أن يرجع على أحدهم إذا لقيه بنصف المال حتى يساويه، لكون هذا الحق تعلق بذمة أحدهم على حسب ما تعلق بذمة الآخر، فكأن من أدى جميع الحق أداه عن نفسه وعن الرجل الآخر، إذا لقيه، من الحملاء.