وقد تأول الشيخ أبو محمد بن أبي زيد (4) بعض ما وقع في هذا الجواب من إطلاق، وقيد مطلقه. ونحن نورده في أثناء كلامنا على هذه المسألة.
فاعلم أن الشريكين (لا يخلوان من) (1) أن يزعما أن شريكهما الذي دفع وشهد له الشاهدين (2) بذلك أنهما لم يدفعا إليه شيئا وإنما دفع ذلك من مال نفسه. أو يزعمان أن المال الذي دفع هما دفعا ذلك ببينة. فإن ذكر (3) أنهما لم يدفعا إليه شيئا، وإنما دفع ذلك من ماله فلا مدخل لهما في اليمين مع الشاهد، لأنهما مقران أن ثلثي الثمن باق في ذمتهما. فإذا كانا يغرمانه على كل حال ولا فرق بين أن يغرما ذلك الورثة (4) أو يغرماه إلى البائع. وإنما يحلف القائم بالشاهد فيما يجتلب بيمينه مع الشاهد له منفعة. أو يدفع مضرة. وثلثا الثمن ها هنا لا بد لهما من غرامته، فلا يجتلبان باليمين مع الشاهد بسقوط شيء من هذه الغرامة. ولهذا علل في المدونة قال: لا يحلفان لأنهما يغرمان.
لكن إن كان الشريك الدافع الذي مات معسرا فإنهما يلحقهما مضرة إن لم يحلفا مع الشاهد، لكون البائع له أن يغرمهما ثلث الثمن الذي على الميت، فيمكنان ها هنا من اليمين مع الشاهد لينفيا عن أنفسهما غرامة هذا الثلث. وهكذا تأول الشيخ أبو محمد بن أبي زيد على المدونة، وحمل مطلق قوله: إن الشريكين لا يحلفان مع الشاهد لأنهما يغرمان: أن المراد غرامة هذا الثلث الذي على الميت، وقد مات معسرا. وأما لو مات موسرا فلا كبير فائدة لهما في اليمين مع الشاهد، لأن للبائع أن يأخذ ذلك من تركة الميت، ولو أخذه منهما رجعا به في ذمة التركة.
وهذا تأويل صحيح، وما قيد به من إطلاق المدونة ظاهر وجهه. لكن ذكر الشيخ أبو محمد أنهما لا يغرمان الورثة شيئا، وإن كان قد قال: إن الميت في فرع ذلك من مال نفسه. وذلك إقرار منهما بأن الميت استحق طلبهما بما دفع
عنهما. فحجة الشريكين بأنه لما دفع ذلك بغير إشهاد يستقل به القضاء صار دفع دفعا لا يبرىء بشريكه (1). وبذا دفع من ماله قضاء عن شريكه (1) ما لا يبريان به فلا مطالبة له عليهما، ولا لورثته، لأنه كمن لا يدفع عنهما شيئا. وهذا على أصل ابن القاسم يتضح، ولو كان قد دفع عنهما بأمرهما، لكون ابن. القاسم يرى أن الوكيل على دفع مال لغير من وكله يضمنه إذا دفعه بغير إشهاد، والذي وكله غير حاضر لدفعه حتى يكون راضيا بترك الاشهاد.
وإذا وجب على الشريكين غرامة الثلثين، وقد حلفا مع الشاهد لتسقط الحمالة بالثلث عنهما، فلمن يدفعان هذين الثلثين؟
قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: يدفعان (2) ذلك للورثة، ويكون للبائع أن يطلب الورثة بثلث الثمن الذي على أبيهما، فيغرم الورثة ثلثي الثمن الذي أخذوه من الشريكين، لأنه كمال طرأ لأبيهم وعليه دين فلا يرثوه حتى يقضى منه الدين وأنكر الشيخ أبو إسحاق هذه الوجوه، ورأى أن الأصل غرامة هذين الثلثين لبائع السلعة، لأن يمينهما إنما كان لإسقاط غرامة الثلث عنهما الذي كان على الميت وتحمل به. وأما الثلثان فلا يصح أن يحلفا عليهما ليكونا ملكا للورثة بيمينهم، لأن الورثة حرروا (3) أن يحلفوا مع شاهدهم فأبوا ونكلوا، ونكولهم يقتضي رجوع هذه اليمين على البائع، فيحلف ويستحق هذين الثلثين على الشريكين. فلا يمكن، مع كون هذا هو الأصل، أن يكون يمين الشريكين إنما أفادهما تمليك الورثة لهذين الثلثين، إذ لا يحلف أحد ليستحق غيره بيمينه مالا من غير أن يحلف (4) الحالف بيمينه لنفسه مالا ويدفع عنه مغرما.
وأكد الشيخ أبو إسحاق هذا التعقب الذي تعقبه عن الشيخ أبي محمد بن أبي زيد بأن أشار إلى أن للبائع أن يطلب الورثة بالثلث الذي على أبيهم متى طرأ له مال كما لو حلفوا بأنفسهم مع الشاهد، فإن البائع يسقط طلبه عنهم. فكأنه رأى أن الشيخ أبا محمد أحل يمين الشريكين محل يمين الورثة في ملكهم لهذين الثلثين، ولم يحل يمين الشريكين محل يمين الورثة في إسقاط الطلب عنهم بهذا الثلث.