تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى جنس اتضح كونه متعديا، وأن ما عقده على الموكل لا يلزم، وأن من عقد على الجنس المأمور به وعلى العدد اتضح لزوم ذلك للآمر، ومن عقد على الجنس وقصر في العدد أو زاد: فهل يكون ذلك بهذه الزيادة في الجنس أو النقصان كالمتعدي إلى جنس آخر فلا يلزم ذلك، أو لا يكون ذلك كالتعدي إلى جنس آخر، فإذا أكمل عدد الجنس صار العقد الواقع من الوكيل هو العقد الذي أذن فيه رب السلعة. فكذلك مسألتنا إذا أمره أن يعامله بما يشبه، وكان الذي يشبه مائة دينار، فعامله صفقة واحدة بمائتي دينار، فهل تكون المائة الزائدة أخرجت المائة المأذون فيها عن جنسها، فصار ذلك كله غير مأذون فيه، أو لم تخرجها عن جنسها، فإذا سقطت المائة الزائدة على ما يشبه بقيت المائة الأخرى هي نفس المائة المأذون فيها.

وقد ذكر محمد بن عبد الحكم فيمن قال لرجل: بيع من فلان دارك بألف درهم، وأنا ضامن لك الثمن فباع منه الدار بألف وخمس مائة درهم فذكر أن في

المسألة قولان (1):

أحدهما: أن الحميل لا تتوجه عليه غرامة، لأن زيادة الخمسمائة على الألف المأذون فيها تصير الألف كأنها جنس آخر غير ما تحمل به، فأشبه من قال: بيع دارك بألف وأنا ضامن لك بالثمن، فباع منه بستانه، فإن ذلك لا يلزم.

وقيل: يلزمه إذا باع منه داره بألف وخمس مائة الألف التي تحمل بها الحميل، وتسقط عن الحميل الخمسمائة الزائدة، ولا تكون هذه الزيادة مخرجة الألف عن كونها مأذونا فيها.

وهذا الذي ذكرناه عن محمد بن عبد الحكم أنه ذكر فيه قولين في كتابه فيمن قال: بع منه دارك بألف وأنا كفيل لك، فباعها بألف وخمسمائة أن في ثبوت الألف على الكفيل قولين بما نبهناك عليه، يؤكد عندك أن هذا الأصل مختلف فيه، وأن الذي قاله بعض أشياخي إحدى الطريقتين (على أن قد يبدوا عوض) (2) في مسألة ابن عبد الحكم بأن يقول الحميل: إنما التزمت الحمالة لغرض لي في ذلك، وهو أن تبيعها منه بدون القيمة، فإذا بعتها منه بأكثر لم تلزمني الحماله، لبطلان الغرض الذي تحملت لأجله. فيكون هذا القول على هذا التعليل خارجا إلى أصل آخر، وبه علل هذا القول.

والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال:

أما ما استقر وجوبه سابقا للحمالة فإن من تحمل به لا يمكن من الرجوع عن الحمالة، كما: قال: لي عند فلان مائة دينار، فقال له آخر: أنا كفيل لك بها. فإذا ثبتت على زيد بالبينة وجب على الكميل الغرامة، ولا يمكن من الرجوع عن هذه الحمالة.

ولو كان إنما تكفل بما سيجب، مثل أن يقول: عامل فلانا وأنا كفيل لك

بما تعامله به، فإنه يمكن من الرجوع عن ذلك لكون هذا لم يلتزم ما قد وجب وإنما التزم ما سيجب، والرجوع عن الشيء قبل وجوبه بخلاف (1) الرجوع عنه بعد وجوبه.

وقد اختلف المذهب فيمن وعد رجلا أن يعطيه مائة دينار في المستقبل ثم امتنع من أن يعطيه، فقيل: يقضى عليه بها، وقيل: لا يقضى عليه بها، وقيل: إذا كان الوعد له سبب قضي به، وإذا كان لا سبب له لم يقض به.

وهذا إذا رجع الكفيل قبل المعاملة. وأما إن رجع بعد وقوع المعاملة فلا ينفعه ذلك، ولا تسقط عنه الغرامة، لأن من أدخل رجلا في إتلاف مال لزمه ما أدخله فيه.

وقد أشار بعض أشياخي إلى أن التمكن من الرجوع قبل المعاملة إنما يمكن منه إذا أطلق القول بالحمالة فقال: عامله وأنا كفيل لك بما تعامله به.

وأما إن قيد فقال: عامله بمائة دينار وأنا كفيل لك بها، فإنه لا يمكن من الرجوع عن ذلك وإن لم تقع المعاملة، لكون المسمي مائة دينار حد غاية معلومة ينتهي إليها. ومن أطلق ولم يحد فليس هناك غاية تطلب، فلا يمنع من الرجوع فيها. ألا ترى أن من أكرى داره سنة لزم هذا العقد بالقول لهما جميعا.

ولو أكراها كل شهر بدينار لكان لكل واحد منهما الرجوع فيما يستقبل من السكنى لما لم تكن غاية ينتهى إليها. واعتمد أيضا على ما وقع في المدونة فيمن أعار أرضه رجلا يغرس فيها ويبني وحد أجلا معلوما، فليس له الرجوع، وإن لم يحد أجلا فله الرجوع على ما ذكره في المدونة، واشترط فيه، ولا فرق إلا ثبوت العارية وتحديدها وانتفاؤها (2).

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٣٠