تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو أتى زيد فأقر بصحة الدعوى عليه: فهل تلزم الكفيل الغرامة أم لا؟

صرح ابن المواز بأن ذلك لا يلزم بمجرد الإقرار دون أن تقوم بينة على ذلك.

وظاهر المدونة إلزام الكفيل الغرامة بمجرد إقرار زيد المدعى عليه لأنه قال في المدونة إذا أتى زيد فجحد: إن الكفيل لا تلزمه غرامة لأن زيدا قد جحد فقال: نفي الغرامة بجحود زيد يدلس ذلك أنه لو أقر للزم الكفيل الغرامة.

فمضى الأشياخ على أن المذهب على قولين في إيجاب الغرامة بمجرد الإقرار.

وكذلك لو كانت الحمالة بما يستحب (1) من دين كقول رجل لآخر: عامل فلانا وبايعه، وأنا كفيل لما تبايعه به، فإن هذه الكفالة لازمة عندنا كما قدمناه.

ولو أنكر المتحمل به أن يكون عامل هذا لكان القول قوله، وتسقط الحمالة عن الحميل، على حسب ما فصلنا القول فيه. ولو ثبتت عليه المعاملة ببينة لأخذ الحميل بذلك. ولكن قال غير ابن القاسم في المدونة: إذا عامله بما يشبه. وأطلق ابن القاسم الجواب. وحمله بعض الأشياخ أن مراده بالإطلاق ما قيد به الغير من مراعاة الشبه وأن ذلك مما يمكن أن يكون أراده ابن القاسم وهو الأظهر.

وإن لم يجحد المتحمل به المعاملة ولكنه أقر بها فإن ذلك يجري مجرى القولين اللذين قدمناهما. ففي المدونة أن الكفيل تلزمه الكفالة إذا ثبتت المعاملة. وفي الزمياطة (2): أن الكفيل تلزمه الكفالة بإقرار المتحمل عليه بالمعاملة، وإن لم تعاين البينة المعاملة، ما لم يكن الإقرار بعد أن نهاه الكفيل عن المعاملة.

وظاهر ما قال أنه إذا كان الإقرار بالمعاملة بعد أن قال الكفيل: لا تعامله، أن الإقرار لا يعتد به.

وبالجملة فإن التحقيق في هذا اعتبار مقتضى اللفظ الواقع من الحميل.

فإن صرح: بأني لا أتحمل إلا بما يثبت بالبينة، فإنه لا يختلف في أنه لا يطلب بمجرد إقرار المدعي عليه. وإن صرح بالتزام الحمالة إذا ثبت الدين ببينة أو بإقرار المدعى عليه فلا يحسن الخلاف في هذا.

وإنما وقع الإشكال إذا أطلق: أنا حميل بما وجب لك على فلان، أو بما سيجب. فإن الوجوب هو الثبوت قال تعالى: ﴿فإذا وجت جنوبها﴾ (1) يعني: سقطت عن جنوبها، وما ثبت ببينة فقد استقر. وما يعتبر فيه ما يقول المدعى عليه من جحود أو إقرار، فكأنه غير ثابت، فلا يحمل إطلاق هذا اللفظ على أن الحميل أراد أنه يتحمل بما يجب بالبينة أو بالإقرار.

أو يقال: فإن من أقر بحق عليه لآخر قضي عليه بما أقر به باتفاق. هنا يقضى عليه لو شهدت البينة به. فإذا كان الإقرار يوجب الغرامة كما توجبه (2) البينة، وجب أن يتوجه الطلب على الحميل بمجرد الإقرار. هذا التحقيق فيه.

وإذا احتمل اللفظ وأدى الاجتهاد إلى الاستظهار باليمين على الحميل أنه ما أراد بالحمالة إلا أن يكون حميلا بما يثبت بالبينة دون الإقرار، فيستحلف على ذلك، ويبرأ من الغرامة بمجرد الإقرار، أو تكون قرينة حال أو عادة تدل على القصد بهذا اللفظ فيرجع إليها.

هذا مقتضى النظر عندي في هذه المسألة.

وإذا حملنا إطلاق القول: عامل فلانا وأنا حميل لك بما تعامله به، على أن المراد بالعاملة بما يشبه أن يتبايع به الرجلان في مقتضى العادة كما قال غير

ابن القاسم في المدونة: إذا عامله شيئا فشيئا حتى إذا انتهى إلى ما يشبه سقط ما زاد عليه من معاملة تستأنف. وأما لو عامله دفعة واحدة بمال كثير لا يشبه أن يكون الحميل تحمل به، فإن بعض أشياخي رأى أن الغرامة ساقطة عن الحميل، لكونها معاملة واحدة وقعت على خلاف ما اشترطه الحميل فلم يلزمه منها شيء.

وعندي أن هذا قد تتخرج فيه طريقة أخرى، وهي أن يلزم الحميل من هذه المعاملة مقدار ما يشبه أن يعامل به، وتسقط عن الحميل المطالبة بما زاد على ذلك.

وقد أشرنا في كتاب الوكالة إلى هذا الأصل في مسألة إذا وكله على أن يبيع له ثوبه باثنى عشر، فباعه بعشرة، فإن. الآمر لا يلزمه أن يبيعه بعشرة. فلو قال المشتري للآمر: أنا أتحمل لك بدرهمين بحال ما أمرت به. فهل يسقط مقال الآمر أم لا؟ في ذلك قولان. وكأن سبب الخلاف أن من تعدى من جنس

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٢٩