وقد كان بعض الأشياخ يجري هذه المسألة على اختلاف القول في الهبة:
هل تلزم بالقول أو لا تلزم؟ والحمالة كالهبة لمنافع، لأن الحميل يدفع عن الغريم مالا هو كالسلف له ليأخذه منه بعد حين، فكأنه وهبه منافع مال. وهذا يبسط في كتاب الهبات إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال:
قد قدمنا أن الشافعي منع في أحد قوليه الحمالة بوجه الغريم، وما ذاك إلا لكونه عينا لا يدخل تحت القدرة بقاؤها وتحصيلها والتمكن منها عند الأجل المضروب للضمان.
ومما يلحق بهذا المعنى ضمان الدرك في المبيعات: فضمان درك الأثمان عند إلاستحقاق جائز لأنه مقدور على رده، إن كان عينا، أو قيمته إن كان عرضا قد فات. وقد كنا ذكرنا خلاف بعض أصحاب الشافعي فيه.
وأما ضمان درك المبيع المتعلق بعينه على أنه إن وقع استحقاق لزم البائع تحصيلها وأعطى كفيلا ضامنا لتحصيلها فلا يصح، لعدم القدرة عليه. وإن المستحق لعين السلعة لا يملك الحميل أن يأخذها منه بغير اختياره، إلا أن يغصبه فيها، والغصب لا يحل، ولو حل. فقد لا يمكن، فهي أعلى رتبة من ضمان وجد (1) الغريم، لأن مال (2) ضمان وجد (1) الغريم غرامة الدين الذي عليه إن تغيب، وضمان الديون يصح، وضمان تخليص عين السلعة من مستحقها لا يصح. لكن (3) وقع ذلك على غير قصد إليه بل تأكيد درك الثمن فإنه لا يفسد البيع ولا يؤخذ الضامن بغرامة، إذا كان ذلك تلفيفا من الموثقين لم يقع العقد عليه، ولهذا قال في المدونة: إن ذلك تلفيف من الموثقين إذا قالوا: وضمن فلان درك هذه السلعة. ولو أريد به عينها لم يجز. ولهذا أجري الرسم منا ومن
أشياخنا: الفتوى بترك الاعتداد بما يقوله الموثقون في وثائقهم: شهد على فلان وفلان بما نسب إليهما في هذا الكتاب طوعا في صحة عقولهما وجواز أمورهما. وأن ذلك لا يكون ترشيدا لمن وصف بإنه جائز الأمر لكونه لم يقصد الشهود إلى الشهادة ولو قصدوا إلى الشهادة بذلك لم يحل لهم أن يشهدوا حتى يكونوا اختبروا من وصف بذلك وعلموا رشده. ولهذا يقول الموثقون إذا أرادوا ذلك: وعلى علم بكون فلان وفلان رشيدين لا يولى عليهما. على حسب ما اعتادوه من العبارة في هذا المعنى.
لكن بعض الاشياخ إنما يرى هذا تلفيفا من الموثقين إذا أدرجوه في آخر الوثائق، جريا على ما اعتادوه.
وأما إذا وقع في أحكام القضاة فوصفوا رجلا بأنه جائز الأمر، فإنه لم تجر عادة بأنهم يصفونه بذلك تلففا، بل قصدا إلى ثبوت ذلك الوصف عندهم.
فإذا عقد ضمان الدرك لتخليص عين السلعة عند إلاستحقاق قصدا إليه، وقد قلنا: إن ذلك لا يجوز، فلو وقع الاستحقاق فهل تلزم الكفيل مطالبة أم لا؟ فيه قولان:
أسقط مالك رضي الله عنه في المدونة عن الكفيل غرامة شيء لأجل هذا الضمان، ورآه لا يثبت عليه غرامة.
وحكى في المدونة عن غير ابن القاسم أن الكفيل تلزمه غرامة الأقل من الثمن الذي دفعه المشتري للبائع، أو قيمة السلعة التي أخذت من يديه بالاستحقاق، وضمن له هذا الكفيل تخليصها من مستحقها. وتكون القيمة يوم الاستحقاق. يريد يوم تنزع السلعة من يد مشتريها بحكم الاستحقاق.
فمالك رضي الله عنه نظر إلى هذا الضمان من مقتضى لفظه، فأسقط حكمه، واللفظ إنما هو صريح في ضمان تخليص عين السلعة، وذلك لا يقدر عليه، كما بيناه، وما لا يقدر عليه لا يلزمه الإنسان، والثمن لم يذكر في هذا
الضمان فيطالب به الكفيل، ولا يطالب أحد بغرامة ما لم يلتزم غرامة (1) فلهذا لم يوجب على هذا الكفيل غرامة. وأما قول الغير في المدونة: إن الكفيل تجب عليه غرامة الأقل من الثمن الذي دفعه المشتري، ثقة بضمان هذا الضامن لتخليص السلعة، أو قيمتها يوم الاستحقاق إن كانت قيمتها حينئذ أقل من الثمن الذي دفعه المشتري للبائع، فإنما ذلك منه اطراح بحكم (2) اللفظ والتفات إلى المعنى.