تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحدهما: حمله على الغنى حتى ينكشف من حاله ما يدل على فقره، فيرتفع الخلاف في توجه الطلب على الحميل.

والقول الآخر: حمله على الفقر حتى يظهر ما يدل على ملائه.

وقد قدمنا في كتاب التفليس سبب هذا الاختلاف وأشرنا إلى أنا إن قلنا: إن الغالب في الناس الغنى، والفقر نادر، صار من ادعى الفقر ادعى خلاف الغالب فلا يقبل ذلك منه. وإنا إن قلنا: إن من اشترى سلعة ثم ادعى الفقر والعجز عن ثمنها لا يصدق. وعلة كونه لا يصدق أنه أخذ عوضا عما يطلب به من الثمن، فيستصحب وجود ذلك في يديه حتى يظهر ما يدل على تلفه من يده، والحميل لم يأخذ عوضا فصدق في دعوى الفقر، كما ذكرناه هناك في تصديق الإنسان في أنه فقير "إذا طلب بالإنفاق على أبويه لما كانت هذه المطالبة لم

يؤخذ عنها عوض. على أن الحمالة تشعر باعتراف الحميل بأنه قادر على قضاء ما تحمل به فيطالب بموجب اعترافه. وهذا بسطناه في كتاب التفليس.

والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال:

إذا تكفل رجل عن رجل بما وجب عليه من دين أو بما يوجب في المستقبل، صحت الكفالة، وإن لم يعلم الكفيل بمقدار ما تكفل به، كما قدمنا أن هذا مذهبنا فيه، وأن الشافعي لم يجز الكفالة بالمجهول.

لكن لا يخلو الوجوب من أن يثبت ببينة أو بإقرار المتكفل عنه، إذا قال رجل: لي عند زيد مائة دينار، أو لي عليه دين. فقال عمرو: أنا كفيل بذلك. فإن ذلك يجب عليه على الجملة إن ثبت الدين. ولا يخلو ثبوته إما أن يكون ببينة تشهد به، أو بإقرار المدعى عليه. فإذا جاء زيد فأنكر أن يكون عليه دين ولم تشهد عليه بينة به وحلف على بطلان دعوى المدعي لم يلزم الكفيل مطالبة، لأنه إنما ذكر أنه كفيل، والكفالة تسمية لمن ضمن دينا يؤديه ثم يرجع به على من أداه عنه بخلاف الحميل الذي مقتضاه أن يؤدي رجل عن رجل في دينا على ألا يرجع به عليه.

فإذا كانت الحمالة (1) مقتضاها رجوع الحميل (1) بما أدى بخلاف الحميل، وأتى زيد فجحد أن يكون عليه هذا الدين، وحلف على ذلك، فقد برىء من المطالبة بإجماع، وإذا برىء منها لم يصح أن يرجع عليه الكفيل بما تحمل به. والحمالة تسمية لما له به مرجع كما قررنا. ولا يكون قول هذا: أنا حميل. تصديقا للمدعي فيما ادعاه، لما ذكرناه من كون الحمالة تسمية لما له به مرجع.

ولو نكل عن اليمين وردها على المدعي حلف المدعي وثبت الدين، ولزم الكفيل القيام به إذا كان المدعى عليه معسرا، ثم يرجع به على المدعى عليه لأن

ثبوت هذا الدين بنكول المدعى عليه ويمين المدعي كثبوته بالبينة.

وذكر في كتاب الشفعة من المدونة أن زيدا إذا أتى فجحد الدين، وحلف عليه، أن للمدعي تحليف الكفيل بأنه لا يعلم ثبوت هذا الدين. فإن نكل الكفيل عن هذه اليمين غرم. وهذا لأن الكفيل إذا أقر بثبوت الدين وأن المدعي يستحقه فكأنه يعلم أن المدعي إذا استحق هذا الدين استحق على الحميل به أن يقوم له به. ولا يضر ها هنا كون الحميل لا مرجع له لأنا إنما ذكرنا هذا التعليل فيما لم يعلم الحميل بثبوته من الدين فيحمل لفظ الحمالة على أنه قصد أن يتحمل بما يجب الطلب به، فإذا لبم يعلم وجوب الطنب به فلا مطالبة عليه، وها هنا هو عالم بثبوت الدين وإن المتحمل له يستحقه على المدعي عليه، فصار جحود المدعى عليه كجائحة طرأت على الحميل منعته أن يرجع بما يجب له الرجوع وأما كون الكفيل ها هنا إذا نكل عن اليمين أنه لا يعلم صحة هذا الدين فإنه يغرم من غير أن يرجع اليمين على من يطالبه بالغرامة، فإن هذا هو الأصل في أيمان التهم أن النكول عنها يوجب الغرامة، إذ المتهم لغيره لا حقيقة عنه (1) بباطن الأمر، والإنسان ممنوع أن يحلف على ما لا يعلم صدقه في يمينه.

وفي الموازية، في المريض إذا قال عند احتضاره: لي على فلان مائة دينار، ثم مات، إن المدعى عليه يحلف، ولم يراع في يمينه الخلطة لكون المريض يعتقد أنه منتقل إلى الآخرة، فتبعد التهمة في أن يدعي محالا، فتسقط مراعاة الخلطة ولا يكون انتفاء هذه التهمة (2) اليمين يوجب قبول دعواه، كما قلنا في القسامة صيانة للدماء واحتياطا لها لكونها لا يتمكن احضار البينة فيها ويتمكن ذلك في المعاملات بالمال.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٢٨