تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو جرت عادة قوم في الحمالة أنها إنما تتوجه عند تعذر أخذ الحق من الغريم حتى صارت العادة كالقرينة الدالة على مراد المتكلم، لكان ذلك كما لو قيد الحمالة نطقا بشرط فقر الغريم أو تغيبه. هذا حكم الكفالة المطلقة المقيدة بشرط تعذر الاستيفاء من الغريم.

وأما المقيدة بالتمكن من طلب الحميل مع إمكان استيفاء الحق عن الغريم، مثل أن يشترط من له الدين أن يبدأ به بالطلب، وإن كان غويمه حاضرا يمكن الاستيفاء منه، فإنه اختلف قول مالك رضي الله عنه في هذا الشرط والتقييد: هل يؤثر ويقضي به أو يكون مصرحا لا تأثير له؟ فرآه مرة مؤثرا يوجب القضاء به، ويمكن من له الدين من طلب الحميل، وإن أمكن أخذ الحق من الغريم. ورآه مرة غير مؤثر، وقال: لا يمكن من ذلك، واعتل لهذا القول بأن قال: أيتبع ربع الحميل وعقاره والغريم حاضر موسر وهذا من الاضرار؟! وإنما يتصور الخلاف في هذا الشرط على القول بأن من له الدين لا يمكن من طلب الحميل مع حضور الغريم وإمكان أخذ الحق منه، وأما إذا قلنا: إن الحمالة المطلقة يتوجه معها طلب الحميل، وإن كان الغريم يمكن الاستيفاء منه، فأحرى أن يقال بهذا مع التصريح في أصل الحمالة بأن من له الدين أن يبدأ

بطلب الحميل. ومقتضى الفقه في هذه المسألة ردها إلى أحكام الشروط، وهي منوعة أنواعها كثيرة، ذكرناها في كتاب البيوع، وذكرنا أن من اشترط شرطا مباحا ولكنه لا منفعة له فيه ولا غرض يعتمده العقلاء فإن المذهب على قولين: هل يقضى له بشرطه لأن عليه وقعت المعاملة، أو لا يقضى له به لكونه كاللغو من الكلام المطرح؟ وقد قال في المدونة فيمن أكرى داره على أنه لا يسكنها المكتري إلا بعدد معلوم فأراد المكتري الزيادة في العدد فإنه يمكن من ذلك إذا لم يلحق صاحب الدار منه ضرر وهذا من النوع الذي نحن فيه. وإن شرط مالا يفيد لم يقض به في هذه المسألة التي ذكرناها في الأكرية. ولو كان في شرط التبدئة بالحميل منفعة لمشترطه لكونه يتعب في اقتضاء الغريم لوجب الوفاء بشرطه.

وإنما يحسن الخلاف إذا شرط التبدئة بالحميل، وكان تناول الحق من الغريم ومن الحميل على حد سواء في ارتفاع المشقة وسهولة الطلب.

ولو كان اشتراط التبدئة بالحميل إنما وقع ذلك من الغريم بأن يقول مشتري السلعة لبائعها: أعطيك فلانا حميلا بالثمن على أن تعبدا بطلبه. وكان المشتري (1) في هذا الاشتراط غرض، مثل أن يعلم أن الحميل إذا وزن (2) عنه الثمن آخره عليه، ولم يقبضه فما وزن (2) عنه إلا بعد حين، لكان ذلك أيضا شرطا مفيدا يقضى به.

وأما لو كان دفع الحميل الثمن رجع به في الحال على المشتري، وكان دفع الثمن للبائع والحميل على حد سواء لا منفعة فيه لجرى ذلك أيضا على القولين في شرط مالا يفيد.

ومما ينخرط في هذا المسلك ما قدمناه في الحمالة، فإن محمدا بن عبد الحكم ذكر في كتابه في الحميل بالوجه إذا اشترط عليه المتحمل له بوجه غريمه

أن يحضره له في بلد سماه، فأحضره له في بلد آخر يمكنه فيه الطلب كما يمكنه في البلد المشترط إحضار الغريم فيه، فذكر في المسألة قولين. وهذا أيضا من شرط مالا يفيد هل يوفى به أم لا؟ وقد ذكرنا هذه المسألة وما يلحق بها في أحكام الحمالة بالوجه.

وأصحاب الشافعي ذكروا هذه المسألة أيضا وأشارو إلى أنه إذا أحضره ببلد آخر غير البلد المشترط، ولا مضرة على المتحمل في ذلك فإن الشرط ساقط، وذكروا قولين. و (1) لو اشترط حضوره في البلد الذي سماه بمكان فأحضره بموضع آخر منه. وهذا كله يؤكد ما حكيناه من الاختلاف في اشتراط مالا يفيد: هل يقضى به أم لا؟ ومما يلحق: بالمسألة التي نحن فيها اختلاف الحميل ومن له الدين في كون الغريم فقيرا حتى يتوجه الطلب على الحميل من غير خلاف، أو كونه مليئا حتى يجري وجه الطلب عليه على اختلاف قول مالك الذي ذكرناه في صدر هذه المسألة فيه قولان:

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٢٧