وأشار بعض الأشياخ إلى أنه لما قال: هي ثابتة، ولم يقل تؤخذ من تركته بيمين لأنه لم تتوجه على من تحمل بوجهه غرامة.
وأشار غيره من الأشياخ إلى أن ذلك جار على الخلاف في موت الحميل بالمال إذا كان الدين مؤجلا هل. يحل بموته أم لا وإن كان لم يتوجه غرامة على من تحمل عنه بالمال؟
وكذلك يكون حكم بكر ها هنا يجري على القولين: هل يؤخذ من تركته، إذا مات، الدين، و. إن كان الدين لم يتوجه على زيد الذي تحمل بوجهه وهو حميل بالمال مطالب.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
قد قدمنا أن الحمالة بالمال لا تبرىء ذمة المتحمل عنه، بل يصير الدين متوجها في ذمتين: في ذمة الغريم وذمة الحميل. وذكرنا فيما سلف أن من الناس من ذهب إلى أن الحمالة بالمال تبرىء ذمة المتحمل عنه وذلك كالحوالة: فإن حقيقة الحوالة أن يكون الدين في ذمة واحدة ثم ينتقل إلى ذمة المحال عليه وتبرأ الذمة الأولى وهي ذمة الغريم الذي عليه الدين. وذكرنا سبب الخلاف في هذه المسألة وأن جمهور العلماء على أن الحمالة لا تبرىء ذمة المتحمل عنه. ولكن اختلف هؤلاء في تمكين من له الدين من طلب الحميل بما تحمل به من (1) تمكنه من أخذ دينه من ذمة غريمه الذي عامله بأصل الدين، في الأكثر على أن من له الدين مخير بين أن يطالب بدينه الغريم أو الحميل، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وبه قال مالك في أحد قوليه. وله قول آخر أنه لا يمكن من له الدين من طلب الحميل مع إمكان أخذ دينه من غريمه.
والروايتان عنه مشهورتان في المدونة وغيرها.
واتفق الجميع على أن من له الدين إذا حيل بينه وبين أخذ حقه من الغريم لفقر حدث بالغريم، أو تغيب، أو لدد، أو امتناع لا يقدر معه على الانتصاف
منه، فإن له أخذ الدين من الحميل.
وسبب الخلاف في تمكين من له الدين بطلب الحميل مع تمكنه من أخذه من الغريم قوله عليه السلام "والزعيم غارم" (1) يعم سائر الأحوال: حالة كون الغريم حاضرا موسرا يتمكن طلبه بالدين، وبين كونه ممتنعا من أدائه. وهذا كالعموم في المعنى، وفيه اختلاف بين الأصوليين. فاقتضى هذا العموم تمكين من له الدين من طلب الحميل على أي حال كان الغريم. وكأن من ذهب إلى رفع التخيير بين طلب الحميل والغريم إذا أمكن أخذ الدين من كل واحد منهما رأى أن قوله في هذا الحديث "والزعيم غارم" فيه إشارة إلى أنه إنما يغرم ما قد صار في حيز التلف لكون الغريم فقيرا أو ممتنعا فيصير الحميل غارما لما هو في حكم التالف. وكأن هؤلاء رأوا أن لفظة الغرامة تشعر يكون ما يؤدى عوضا عن ما هو في حكم الفائت التالف، وإنما يقال غرم زيد قيمة ثوب استهلكه، ولا يقال إذا اشتراه وأدى ثمنه غرم زيد ثمنه هذا المألوف في الاستعمال.
وهذا يقتضي ألا يتوجه على الحميل. مطالبة إلا عند فوت أخذ الحق من الغريم. ويرجح أصحاب هذه الطريقة مذهبهم بأن القصد بأخذ الحميل، التوثق في الدين، وكون الطالب للحميل إذا اشترطه في أصك المعاملة فإنما يفعل ذلك توثقا من مشتري سلعته، حذرا أن يفتقر أو يتغيب، فصارت الحمالة في معنى الرهبان، بل (2) القصد من الرهبان التوثق من الغريم مخافة أن يفتقر أو يتغيب فيكون الرهن يقضى منه الدين. وقد اتفق على أنه لا يمكن الطالب من أخذ حقه من الرهن إلا عند تعذر استيفاء الدين من الراهن، فكذلك لا يمكن من له الدين من طلب الحميل إلا بعد تعذر استيفاء الدين من الغريم.
ومقتضى التحقيق عندي في هذا أن الحمالة التزام لم يلزم في أصل الشرع فلا يتجاوز فيه حد ما التزمه الملتزم وتطوع به. فلو صرح حين الالتزام بأن قال:
إنما أتحمل عن فلان بما عليه من دين بشرط أن يطرأ عليه فقر، أو يحدث منه تغيب فإنه لا يختلف في أن من له الدين لا يمكن من طلب الحميل إلا عند حصول الشرط الذي علق الالتزام به. فإن اتفق هذا أوجب أن ينظر إلى قوله: أنا حميل عن زيد بما عليه من الدين: هل هو نص في الالتزام على أي حال كان الغريم فيقضى بمقتضى لفظه ويمكن المتحمل له من مطالبته مع إمكان أخذ دينه من غريمه أو يكون هذا اللفظ محتملا لكونه إنما أراد الالتزام بشرط أن يتعذر القضاء من الغريم حتى تكون الحمالة كالرهان فيقبل قوله إن ذلك مراده، وقصارى ما فيه أن يحلف على أن ذلك مراده، ولا تعمر ذمته بالشك والاحتمال.