تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل ابن المواز رأى أن حكم هذه الحمالة المؤجلة حقت بموت الحميل كما يحل على الحميل المال الدين المؤجل إذا مات الحميل به، وما ذلك إلا لما يلحق ورثته من الضرر في منعهم قسمة التركة.

وقد يتعلق بهذا حق المتحمل له لإمكان أن يحل الأجل ويتغيب الغريم، فتتوجه الغرامة على الكفيل بوجهه وقد مات، فيكون الحكم أن يؤخذ من تركته ما ترك عليه من دين استحقه المتحمل له. ولا تصح قسمة ميراث ميت قبل أن تقضى ديونه. وأما الديون المؤجلة فإنها تحل بموت الغريم من غير خلاف.

وهل تحل على الحميل بالمال بموته أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: اختار ابن القاسم أنها تحل كما تحل على الغريم بنفسه إذا مات.

ومذهب عبد الملك أنها توقف حتى يحل الأجل، فإن لم يوجد للغريم مال أخذ ما وقف من تركة الحميل فدفع لمن له الدين.

ومذهب ابن نافع أن تركة الحميل إذا كانت مأمونة واسعة، فإنها لا يؤخذ الدين منها معجلا ولا موقوفا حتى يحل الأجل. وإن كانت غير مأمونة عجل الدين. فكأن القول بني على أحد قولي مالك في أن من له الدين غير إذا حل دينه، بين أن يطلب به الغريم أو الذي تحمل ما عليه. فيصير على هذا على هذا القول الحميل بالمال كالغريم نفسه، فإذا اتفق على أن الغريم نفسه إذا مات حل الدين المؤجل الذي عليه فكذلك الحميل، لأنه كغريم آخر. وعلى القول الثاني لمالك أنه لا يمكن من أخذ الدين من الحميل إلا إذا تعذر أخذه من الغريم (لأجل الدين) (1). ولكن يبقى النظر في وقفه إلى أجل، ومنع الورثة من التصرف في مقداره من التركة لحق من له الدين، إذ إبقاؤه مضرة على الورثة، وعلى من له الدين، لإمكان أن يضيع فيضير (2) ضياعه الورثة ويضر من له الدين.

والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:

أما تكثير الحملاء بالوجه أو بالمال فذلك جائز، لأن الغرض بالحمالة التوثق فأشبهت الرهبان، والبرهان يجوز أخذها وإن كثرت أنواعها. ولا فرق في هذا بين الحمالة بالمال أو الحمالة بالوجه.

ولو تكفل ثلاثة رجال بوجه رجل لصح ذلك وبرىء من الحمالة من أحضره منهم وحده، ولا يبرأ الحميلان الآخران حتى يحضره كل واحد منهما.

ولو انضاف إلى هذا أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة حميل بصاحبه لسقطت الكفالة عنهم أجمعين بإحضار واحد منهم الغريم، لأن كل واحد منهم لما تحمل بصاحبه صار كالوكيل له على احضار الغريم. وقد قررنا أن موت الغريم لا يسقط الحمالة بالمال ويسقط الحمالة لالوجه، وموت الحميل بالمال لا يسقط

الحمالة، وموت الحميل بالوجه فيه قولان كما قدمنا.

ولو تحمل زيد لعمرو وتحمل يزيد و (1) بكر، وحمالة كل واحد منهما بالمال فإن موت عمرو لا تسقط الحمالة عن زيدل ولا عن بكر لما أصلنا. ولو تحملا بالوجه جميعا فإن موت عمرو يسقط الحمالة عن زيد، وإذا أسقطت عن زيد سقطت عن بكر لأنه كالفرع عنه، وإذا سقط الأصل يسقط الفرع. ولو مات زيد لسقطت الحمالة عن تركته على مذهب عبد الملك ولم تسقط على المذهب الآخر، وإذا سقطت عن زيد بموته سقطت عن بكر لأن بكرا حميل بوجه زيد، وموت المتحمل بوجهه يسقط. لكن لومات بكر لجرى سقوط الكفالة عنه وعن تركته على القولين المتقدمين في سقوط الكفالة عين الحميل بالوجه إذا مات.

ولو غاب عمرو لأخذ زيد بالدين، ولو غاب زيد لأخذ بكر بما توجه على زيد من الغرامة.

ولو اختلفت طرق الحمالة من هذين الرجلين: فتحمل زيد بالوجه، وتحمل بكر عن زيد بالمال، فإن موت عمرو يسقط الحمالة عن زيد؛ لأنه حميل بالوجه وقد مات من تحمل بوجهه. وإذا سقطت عن زيد سقطت عن بكر لأنه كالفرع عن زيد.

ولو غاب عمرو لتوجهت الغرامة على زيد، فإن لم يوجد له شيء غرم عنه بكر الذي تحمل عنه بالمال. (ولو كان يمكن هذا) (2) زيد تحمل بالمال وبكر تحمل بوجه زيد، فإن بكرا إذا أحضر زيدا سقطت عنه الحمالة. ولو مات زيد لسقطت عنه الحمالة أيضا. ولو مات بكر فإن الحمالة ثابتة بعد موته.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٢٥