تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا القياس لا نسلمه لأن السلع تختلف لاختلاف البلاد في أسعارها

وفيها اغراض للناس، ألا ترى أنه لو باع سلعة بدنانير إلى أجل فحل الأجل، والمتعاقدان في بلد آخر، فإنه يقضى بالدنانير لعدم اختلاف الاغراض فيها باختلاف البلاد، بخلاف غيرها (1) فيه اغراض باختلاف البلاد، وتسليم الكفيل بالوجه المكفول بوجهه يحصل الغرض فيه للمكفول له في سائر البلاد، ولا يبقى على "هذا إلاما قاله ابن المواز من سقوط الكفالة بموضع يسلم فيه الكفيل الغريم ولا بينه للطالب. وقد ذكرنا ما فيه.

ولو اشترط الكفيل ألا مطالبة عليه بالمال، وإنما عليه طلب الغريم والبحث عنه، فإن له شرطه، ولا يغرم مالا إن غاب الغريم، ويؤمر بطلبه، وإن لم يفعل واتهم فيه حتى يفعل. وإن طلب فلم يجد فلا غرامة عليه. ولو كان الغريم قد غاب إلى بلد قريب لكلف الكفيل طلبه فيه حتى يحضره وقد قيل: القريب ما كان على مسافة اليوم واليومين. وقد قيل: يعتبر في هذا ما يقوى الكفيل عليه فيكلفه، وما يضعف عنه من السفر فلا يكلفه. وقيل: لا (2) يكلف السفر، وإن كان أياما، إلا ما كان بعدا متفاحشا خارجا عن أسفار الناس المعتادة. ولو كان الكفيك يطلب عيب (3) الغريم ولقيه فتركه حتى عاد (4) ففرط فيه، فإنه يغرم المال، وكأنه المقاصد بذلك إتلاف مال غيره بعد أن التزم صيانة (5).

ولو زعم الكفيل لما أمر بالخروج في طلب الغريم إنه فعل لصدق في ذلك، إذا كان ذلك بعد مدة يمكن أن يخرج ويرجع. وبعض أشياخي كان يخرج هذا على مسألة المدونة في الأجير المستأجر على تبليغ كتاب إلى بلد آخر، فقال: بلغت: هل يصدق في ذلك أم لا؟. في المدونة قولان. فكذلك تصديق الكفيل ها هنا في قوله: خرجت وعدت، يجري على القولين

وهذا فيه نظر لكونه ها هنا يحاول بمجرد دعواه إثبات دين في ذمة أخرى، والديون لا تثبت في الذمم إلا ببينة، وهاهنا لا تثبت بدعواه دينا على آخر، وإنما يبرىء نفسه مما التزم من الطلب وهو مما لا يمكن فيه إقامة اليينة، فكأن الكفيل والمكفول له دخلا فيه على تصديق الكفيل. فهذا مما ينظر فيه.

وقد تكلمنا على موت المكفول بوجهه، وبينا أن موته يسقط الكفالة. فلو كان الموت إنما حدث بكفيل الوجه، فإن المشهور من المذهب أن الحمالة لا تسقط عن حميل الوجه بموته، وكأنه إنما التزم حقا في ذمته، فلا يسقط بالموت. ورأى عبد الملك بن الماجشون أن موت الكفيل بالوجه يسقط الكفالة عنه، ولا يطالب بها ورثته بعده. وكأن ما التزم من الكفالة معلق بعينه كما علقت بعين المكفول به.

وإذا قلنا بأن الكفالة لا تسقط طلب ورثة الغريم، فإن لم يفعلوا تعلقت الغرامة بتركة الكفيل بالوجه، على حسب ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى في موت الكفيل بالمال.

وإذا تقرر أن موت الغريم يسقط مطالبة من تكفل بوجهه، لكونه مغلوبا على (1) احضاره بأمر لا قدرة له على دفعه عنه، وهو الموت، بخلاف التغيب الذي يمكنه أن يتحفظ به حتى لا يغيب، فإن موت الكفيل بالوجه فيه قولان: هل تسقط الكفالة بموته فيطالب احضار الغريم و (2) ورثته، ويؤخذ الدين من تركته، وهو المشهور؟ أو تسقط الكفالة كما حكيناه عن عبد الملك ابن الماجشون.

وأما موت الكفيل بالمال فإن الكفالة لا تسقط عنه بموته من غير خلاف، إذا كانت في أصل العقود. ولو كانت بعد العقد، فهل تبطل بالموت أو

تجري مجرى الهبات؟ فيه قولان. وقد تقدم ذكر ذلك.

ولو كان الدين مؤجلا فمات الحميل بالوجه، وقلنا بالمشهور إن موته لا يسقط الكفالة، فإن ورثته مطالبون بإحضار الغريم، فإن أحضروه سقطت الكفالة، كما لو أحضره الميت الذي تكفل به فمات، ورثوه.

لكن قال ابن المواز: إذا أحضره أحد الورثة برئت التركة من المطالبة، ولو كان الدين مؤجلا.

وعارض هذا بعض الأشياخ المتأخرون، وقالوا: لا يحسن أن تسقط الكفالة المتوجهة في تركة الكفيل بالوجه إذا مات، بإحضار ورثة (1) الغريم قيل الأجل، لأن ذلك إحضار لا يفيد من له الدين، إذ لا يقدر على مطالبة الغريم الذي أتي به إليه قبل أن يحل الأجل.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٢٤