فإذا كان تحصيله في حال يمتنع به من أراد (3) الحق، فالمقصود بالكفالة غير حاصل، فلم تقصد (4) مع عدم المقصود بها. فلو سلمه بموضع يتمكن من الطلب ولكن لا تحضر بينة، فإن ابن المواز رأى أن الكفالة تسقط، وإنما يمتنع سقوطها إذا وقع تسليم الغرماء في حال يمتنع الغريم بنفسه من أداء الحق ويمكنه ذلك. وأما عدم البينة فإنه ليس ذلك منه ولا من سببه، فلهذا لم يتعين وجود البينة مع كون فقدها يمنع من التمكن من الغريم. وقال محمد بن عبد الحكم:
إنما تسقط الكفالة إذا سلمه تسليما لا يمكن الامتناع منه كما لا يمكنه الامتناع وقت الحمالة.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن هذا كالاختلاف (1) لما قاله ابيت المواز، وعلى هذا لو سلم الكفيل الغريم وهو محبوس في حبس القاضي، فإن هذا التسليم يسقط الكفالة، لكون المتكفل به يتمكن من طلبه وهو في الحبس، ويحاكمه عند القاضي الذي حبسه حتى يمكنه من حقه، ويقضي بذلك على المحبوس. وإن وجب حبسه زاد في مقدار أمد الحبس لأجراء هذا الطلب الثاني بحسب ما يقتضيه الاجتهاد. لكن لو كان الحبس بغير حق ولا سبب فيه للغريم، بل حبسه سلطان تعديا عليه، ومنع منه. فإن هذا يجري مجرى موته، وموته مسقط للكفالة، فكذلك إذا كان هذا الامتناع ليس من الغريم ولا سبب له فيه.
وقد ينظر إلى هذه الطريقة التي اختارها بعض الأشياخ ما قاله ابن المواز من التسليم بموضع لا بينة فيه على الغريم، فتسقط الكفالة لكون عدم التمكن من أخذ الحق لا سبب فيه للغريم، وإنما يبقى النظر في إشارة محمد بن عبد الحكم في الكلام الذي ذكرناه عنه: إنما تسقط الكفالة بتسليم لا يمكنه الامتناع إلا كما يمكنه وقت الحمالة. فهذا مما ينظر فيه. وقد يفارق الموت حبسه تعديا؛ لأن الموت غاد ورائح ولا يرجى صاحب التمكن من الطلب في المستقبل، ولا هو المقصود بكفالة الوجه، والمحبوس ظلما يمكن تتاول الحق منه والإعذار إليه فيه، والمقصود بحمالة الوجه أن يكون سببا إلى تحصيل ما في الذمة، فهذا مما ينظر فيه.
ولو كانت الكفالة مؤجلة فأتى الكفيل بالغريم قبل الأجل لم تسقط الكفالة عنه، لكون من له الدين لم يستحق الطلب فلا يفيده احضار الغريم، وهو لا يستحق طلبه.
ولو اشترط المتحمل له على حميل الوجه أن يحضر له غريمه يبلد سماه فأحضره بغيرها من البلاد مما تأخذ فيه الأحكام لا مضرة تلحق المتحمل له في أخذه هناك، فإن محمد بن عبد الحكم ذكر في كتاب. الكفالة من كتابه أن في المسألة قولين. وهذا عندي قد يلاحظ مسألة الشروط التي لا تفيد. وكذلك ذكر محمد بن عبد الحكم لو اشترط على الحميل إحضار الغريم ببلد تأخذه فيه الأحكام فخرب ذلك البلد، وصار مما لا تجري فيه الأحكام، فإن إحضار الغريم فيه قولان أيضا: أحدهما أن (الغريم (1) لا يبرأ) لأنه وفى بما اشترطه له عليه.
والثاني أنه لا يبرأ، لأن المقصود حين الاشتراط التمكن من أخذ الحق من الغريم. وإذا صار البلد المشترط لا تجري فيه الأحكام بطل المقصود بالحمالة فلم تسقط.
ولو اشترط الكفيل في الكفالة بالوجه: أنك إن لقيت غريمك سقطت الكفالة عني. فإن هذا الشرط يعتبر. فإذا لقيه سقطت الكفالة. لكن إذا كانت اللقيا بموضع يتمكن منه ومن طلبه. فأما إذا كان بموضع لا يتمكن من طلبه فهذه اللقيا لا تفيد، فأشبه ذلك إحضار الكفيل في موضع لا تأخذه فيه الأحكام كما تقدم بيانه، إذا أطلق الحمالة ولم يقيدها بموضع يحضو فيه الغريم، لكنه يتمكن فيه من الطلب فإنه تسقط الكفالة كما بيناه، ولو عدم البينة فيه كما حكيناه عن ابن المواز وعند أصحاب الشافعي إن الكفالة لا تسقط مع الإطلاق لذكرها (2) إلا بأن يسلمها بالبلد الذي وقعت الحمالة فيه، قياسا على السلم المطلقال في لا يقيد فيه القبض ببلد، فإن القبض يكون بالبلد الذي وقع فيه العقد.