فإذا تقرر هذا وأن الحميل بالوجه يبرأ باحضار من تحمل بوجهه، معسرا أحضره أو موسرا، في المشهور من المذهب، وإن كان قد روى ابن الجهم عن مالك أنه لا يبرأ إلا باحضاره موسرا، لأنه إذا أحضره معسرا لم ينتفع من له الدين بإحضاره، فصار حضوره كتغيبه، فإنه لو غاب وتوجهت الغرامة بغيبته، فأراد الكفيل بوجهه أن يثبت فقره لتسقط الكفالة عنه، لكونه إذا ثبت فقره انكشف من ذلك أن غيبته لم تضر بمن له الدين، لأنه لو احضره ما أفاد حضوره. فإن هذا: مقتضى المذهب سقوط الكفالة بإثبات فقر المتحمل بوجهه إذا غاب. لكن إنما يتوجه الحكم بالتقرير مع اليمين بعد إقامة البينة لأنهم (1) لا يعلمون له مالا. فإذا كان حاضرا وأثبت فقره وحلف سقطت الكفالة لاستيفاء شرائط الحكم بالفقر. وإذا أثبت الكفيل فقر الغريم وهو غائب بقي من تمام
الحكم بالفقر يمينه. واستحلافه مع غيبته يتعذر. فهذا قد يجري على قولين عندنا، لكون هذا اليمين يمين استظهار، لأجل التهمة بأنه أخفى مالا، ويمين الاستظهار والتهم ليس من القوة ما للأيمان الواجبة عن الدعاوي المحققة.
واختار بعض أشياخي في هذا الاكتفاء بثبوت فقر الغريم في غيبته، وعدم استحلافه لا يثبت غرامة على الكفيل لأجل عدم اليمين، لما ذكرناه من كونها يمين استظهار. وهذا على المشهور. وأما على رواية ابن الجهم عن مالك: فلا شك في أن هذا الذي ثبته الكفيل لا يسقط عنده (1) الكفالة، لأن ما رواه ابن الجهم أثبت فيه غرامة الكفيل بالوجه، ولو حضر الغريم وأثبت فقره وحلف على صحة فقره، فكيف بهذا الذي لم يحضر ولم يحلف.
واعلم أن الحمالة بالوجه تقتضي عندنا الزام الكفيل إحضار الغريم الذي تحمل بوجهه لوجاء بنفسه إلى من له الدين فقال له: ها أنا جئتك ومكنتك من نفسي وطلبي فأسقط الكفالة بوجهي عن الذي تكفل ذلك به. فإن ذلك لا يسقط الكفالة.
هكذا ذكر في المدونة وغيرها. لكن ابن المواز قال: إلا أن يكون الكفيل بالوجه قال للغريم: اذهب فسلم نفسك إلى من له الدين عليك. ففعل الغريم، فإن ذلك يسقط الكفالة إذا ثبت ذلك، ويكون حينئذ الغريم كوكيل للكفيل على تسليبم الغريم لمن له الدين. ونحن لا نشترط أن يحضر الكفيل الغريم بنفسه، بل يجزيه أن يوكل من يحضره لرب الدين.
ومذهب الشافعية سقوط الكفالة بتمكين الغريم من نفسه صاحب الدين لأن القصد بكفالة الوجه: لا يتغيب الغريم عن من له الدين إذا طلبه به. وهو ها هنا لم يتغيب، وحصل المقصود من الكفالة، فلا يلتفت إذا حضر المقصود، إلى من حصل ذلك به: هل بالكفيل أو بالغريم؟ وإلى هذا ذهب محمد بن عبد
الحكم من أصحابنا، واختاره بعض أشياخي وزاد عن هذا أن يمكن (1) من له الدين من طلب الغريم لكونه حاضرا بين يديه وهو غير ممتنع عليه، يسقط الكفالة إذا ترك طلبه اختيارا منه، وجرى ذلك مجرى تمكين الغريم من نفسه أو إتيان الكفيل به.
وهذا الذي قاله مما ينظر فيه، لإمكان أن يكون من له الدين إنما أعرض عن طلبه، ولم يجحف به، ثقة بأن الكفيل بوجهه يصونه عن التعب متى أراد طلبه، أو يمتنع الغريم من التغيب مراعاة لمن تكفل به، لئلا يسأله في الكفالة به فيفعل ذلك محسنا إليه فيسيء هو ويغيب حتى يغرم الكفيل. لكن لو انضم إلى ذلك قرائن أحوال تعلم منها ان الطالب أسقط الكفالة عن الكفيل لأجل تمكنه من الغريم لحسن هذا الذي ذهب إليه.
وإذا تقرر أن تمكن من له الدين من الغريم لا يسقط الكفالة، فإن الكفيل لو أتى بالغريم الذي تكفل بوجهه، وسلمه إلى من له الدين بموضع لا تأخذه الأحكام فيه، فإن هذا التسليم لا يسقط الكفالة إذا كان الغريم قادرا على الامتناع ممن له الدين بسلطان أو فتنة أو كونه في مفازة لا يجد من يحكم له عليه، وهذا لأن المقصود من الكفالة بالوجه تحصيل الغريم حتى يؤذن (2) ما في ذمته.