مات بالبلد، أو مات بعد أن غاب عن البلد.
فإن كان مات وهو بالبلد فالمعروف من المذهب أن الحمالة ساقطة، بخلاف لو تغيب عن البلد، أو تغيب في البلد فإن الغرامة لازمة. وذلك لأنه مع التغبيب يمكن احضاره، والتغيب مما يكتسب ويكتسب التحفظ منه، فإنما أخذ الحميل بالوجه ليتحفظ بمن تحفل بوجهه حتى لا يغيب، فإذا غاب توجهت الغرامة، لأنا إنما أجزنا الحمالة لما تؤدي إليه من الغرامة، وأن القصد بها تحصين ما في الذمة من الدين.
والموت لا يمكن اكتسابه ولا التحفظ منه.
فلهذا لم يضمن الحميل لموت المتحمل بوجهه لعدم القدرة البشرية على دفع الموت (1) من فرغ عمره.
ولو وقع الموت بعد أن تغيب المتحمل بوجهه فإن المذهب على قولين:
أحدهما: هذه الحمالة سقطت بالموت، كما تسقط بالموت لو كان المتحمل به في البلد. وإليه ذهب أشهب.
والقول الثاني: إن هذا الموت بغير البلد لا يسقط هذه الكفالة. وإليه ذهب ابن القاسم.
فكأن من أسقط الحمالة بالموت في الغيبة رأى أن الموت لما وقع قبل مطالبته الحميل (2) تحمل به، صار ذلك كموت المتحمل به بالبلد، لكون الكفيل مغلوبا في الحالين على إحضار من تكفل بوجهه سواء مات بالبلد أو غائبا عنه.
ومن ذهب إلى المطالبة بهذه الحمالة رأى أن مجرد الغيبة أوجبت غرامة الكفيل، بحصول التعدي بها، لكون الغيبة توجب الغرامة في المشهور عندنا.
فموت الشخص بعد وجوب سبب يوجب الغرامة وهو الغيبة، لا يرفع عنه الحكم.
هذا إذا كان قد غاب المتحمل بوجهه وقد حل أجل الدين.
فأما إن كان لم يحل، فعلى أصل أشهب الذي ذكرناه، تسقط الكفالة.
وأما ابن القاسم فإنه اعتبر موت المتحمل بوجهه: هل وقع في زمن يتسع أن يمضي الكفيل ليأتي به، فتسقط الكفالة حينئذ، لكون هذا الغائب مات قبل أن تتوجه عليه مطالبة بالدين، وكون الكفيل لم يفرط ولا تعدى في أمره. وإن بقي من أجل الدين مالا يحصل أن يذهب الكفيل إليه، فيأتي به، لزمت الكفيل الغرامة.
قال ابن القاسم وإن قلت لكم غير هذا فاطرحوه.
وروي عنه أنه قال: إنما تعتبر في هذا مسافة قدوم الغريم بنفسه، من غير أن يضاف إلى هذا مسافة للخروج ليؤتى به.
وكأنه قرر في اعتباره مسافة السير والرجوع كون الغريم قاصدا المنع من الحق حتى ينفذ إليه فيؤتى به لأخذ الحق منه.
واعتبر في القول الآخر أنه يحمل على الوفاء، و (1) التنصل من الحق، فأتى بنفسه من غير أن يستدعى خوفا ميت إثمه بالمطل.
وإذا تقدم حكم الموت والغيبة، وأن على الكفيل المطالبة لإحضاره: فهل يتلوم له ليحضره أم لا؟ وقد غاب المتحمل بوجهه.
أما ابن وهب فإنه ذكر أنه يطالب بالغرامة ورأه أن ذلك جار مجرى الحمالة بالمال، فإن الحميل ليس من حقه أن يؤخر ليحضر الغريم فكذلك الحمالة بالوجه.
وبعض أشياخي يحمل قول ابن وهب، هذا، على أنه خلاف المشهور من المذهب في تمكين الحميل من طلب الغريم الذي تحمل بوجهه والتزم له في ذلك.
وبعضهم يحمله على أن مراده أنه لا يمكن من التلوم الذي يضر. ورأى أن كلامه محتمل لهذا المعنى. ويشير إلى ارتفاع الخلاف في التلوم.
وإذا قلنا بالتلوم، وهو المشهور من المذهب، وقد غاب غيبة قريبة، ومقدار التلوم قيل فيه: اليوم، ونحوه وقيل: يومان، وقيل: ثلاثة أيام.
واختار بعض الأشياخ: يوم واحد، لأنه مقدار ما يتلوم في الحضور، وذلك ثلاثة أيام لكون الحميل يسافر فيأتي بالغريم مسافة يوم ويتأخر في طلبه يوم، ويأتي به في اليوم الثالث.
وإذا قيل: التلوم يومان اقتضى ذلك تأخيره خمسة أيام. يومان في السفر إليه ومثلها في القدوم به ويوم في طلبه.
والقول بثلاثة أيام أبعد، لأن ذلك يقتضي سبعة أيام.
والأصح عندي في هذا مراعاة الضرر، فينفى، عمن له الحق، ضرر التأخير الذي يضر به، وينفى عن الحميل ضرر الاستعجال الذي يضر به.