وعكسه الغصب يضمنه إن تلف وإن كان باقيا في يده.
واجيب عن هذا بأن الوديعة وإن كانت عينا قائمة فإنه مخاطب بردها إلى صاحبها، ووداها (2) إليه فعل إلزامه (3) إياه قبوله للوديعة. فكذلك لا يمنع أن يتعلق بضمان الوجه حكم وهو إحضار المكفول له يستوي (4) حقه منه.
وقد قيل في هذا أيضا: لا نسلم أن الرد واجب، إذ لو كان عبدا فأبق ما لزم المودع طلبه. ولو كان شيئا ثقيلا مالزم المودع حمله إلى ربه، وإنما يلزمه رفع يده عن الوديعة، وتمكين صاحبها منها، وذلك ليس بفعل يفعله في العين المودعة.
وبالجملة فإن اعتمادهم ينحصر إلى أن الحمالة بالوجه لا فائدة فيها. وكل ذلك منهم بناء على أصلهم؛ لأن المشهور من مذاهب الشافعية أن المتحمل بوجهه إذا مات أو غاب حيث لا يعرف مكانه فإن الحميل بوجهه لا غرامة عليه، ولا يقضى عليه بالحق الذي كان في ذمة المتحمل بوجهه.
وانفرد أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي فقال: تلزم حميل الوجه غرامة المال إذا (1) المتحمل بوجهه أو مات. ومذهبنا نحن أنه إذا غاب توجه الطلب على حميل الوجه بالمال، على ما نفصله فيما بعد.
وانفرد أيضا من أصحابنا محمد بن عبد الحكم يرى ما رأته الشافعية من أن الحميل بالوجه لا يطلب بالمال إذا غاب المتحمل بوجهه. وهذا لأن غيبة المتحمل بوجهه، حيث لا يعرف مكانه، لا يدخل تحت قدرة الحميل إحضاره ولا يتمكن هذا منه، والحمالة إنما تكون بما يمكن، والمال ليس هو المتحمل به ولا دخل تحت قوله: أنا حميل بوجهه، لا تصريحا ولا توليجا (2) فلا يلزم الضامن خلاف ما اقتضاه لفظه.
وكأن محمد بن عبد الحكم (3) روى ها هنا مع ما رواه ابن الجهم عن مالك كطرفي نقيض، لأن ابن الجهم روى عن مالك أن الحميل بالوجه إذا أحضر من تحمل بوجهه، وهو فقير، فإنه لا يبرأ من غرامة المال، وإنما يبرأ بإحضار الغريم، إذا أحضره موسرا، حتى يمكن المتحمل له من أخذ حقه منه، والفقير لا يتمكن من أخذ الحق منه فإحضاوه فقيرا كغيبته.
والذي ذكرناه من الاختلاف في صحة الحمالة، ومن إلاختلاف في إغرام الحميل بالوجه المال إذا غاب المتحمل بوجهه إنما ذلك إذا اطلق لفظ الحمالة بالوجه ولم يقيد ذلك بما يبرئه من المال، مثل قوله: أنا حميل بوجه غريمك،
وليس علي مما عليه من المال شيء. أو يقول: لا أضمن لك شيئا سوى وجهه.
فإن هذا القول أيضا يقتضي أنه لا يضمن إلا الوجه الذي استثناه يعد أن زعم نفي الضمان لكل شيء سوى ما استثناه.
ولو وقع اللفظ مطلقا فيه احتمال، مثل أن يقول: أنا حميل لك، وضمين لك بفلان. فهل يحمل على حمالة الوجه أو على حمالة المال؟ فاختلف المتأخرون في هذا:
فذهب بعض الأشياخ إلى أنه يحمل على حمالة الوجه لكونها أقل الأمرين وأدنى المتحملين والأصل براءة الذمة، فلا تعمر بأمر محتمل (1) وهو اختيار أشياخي. وذهب بعض الأشياخ إلى أنه يحمل ذلك على حمالة المال، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "الزعيم غارم" فأطلق الزعامة بمطلق الزعامة، وهي الضمانة، فاقتضى ذلك عنده حمل اللفظ على حمالة المال.
وهذا الاستدلال منه غير واضح، لأنه إنما قصد بالحديث بيان حكم وجوب المطالبة للكفيل بما ضمنه، ولم يقصد به بيان إطلاق هذه اللفظة التي هي الضمانة على ماذا تحمل. على أن الغرامة إنما تكون في المال لا في الأبدان، إذ البدن لا يصح أن يغرم، فكأنه، قال: والزعيم غارم لما ضمن.
والضمانة التي تتصور فيها الغرامة إنما تكون في المال.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إذا علمت إن المشهور من المذهب أن الحميل يغرم المال إذا غاب المتحمل به، وأن المشهور عند الشافعي أن لا يغرم مالا إذا غاب أو مات.
وخالف في هذا رجل واحد عندهم وهو ابن سريج كما خالف المشهور عندنا في غيبة المتحمل بوجهه ابن عبد الحكم فقال. لا يطالب الحميل بغرامة مال كما فرضناه. فإن حدث الموت بالمتحمل بوجهه لا يخلو إما أن يكون