العراقيين، وفي الظاهر من قوله اللعان. ونقل عنه، في كتاب الدعوى والبينات، أنه قال: إذا ادعى رحل على رجل أنه تحمل له ببدن رجل فأنكر المدعى عليه، فإنه يحلف، فإن نكل حلف المدعي قال: الحمالة بالوجه عندي ضعيفة. فحمل هذه اللفظة المزني وأبو إسحاق من أصحابه على أن مراده المنع بجواز الحمالة بالبدن. وأنكر ذلك غيرهما من أصحابه، وتأول قوله: إنها ضعيف، من جهة القياس لامن جهة الآثار.
وتأويل هؤلاء عندي محتمل لما قال، بل ربما كان أظهر في سياق كلامه. وبعض أصحابنا الناصرين لما عليه الجمهور يشير إلى أنه إجماع السلف، كما قدمناه وأن الناس في سائر الأعصار يشترطون ذلك، ويكتبون ويشهدون فيه، ولم ينكره أحد من الحكام ولا غيرهم ويؤكدون هذا بما روي أن عبد الله بن عمر طلب علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، بمال له عليه فتكفلت به أم كللثوم ابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي زوجة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم ينكر ذلك عبد الله بن عمر الطالب وعلي المطلوب ولا غيرهما.
وبذلك ما روي أن رجلا من بمسجد عبد الله بن النواحة، فسمعه يقول: أشهد أن مسيلمة رسول الله، فإنه سمعه ووقف حتى سمع أصحابه يصرحون بذلك، فأتى ابن مسعود فأخبره بذلك، فاستدعاهم فأقر عبد الله بن النواحة، فقال له ابن مسعود: وأين القرآن الذي كنت تقرؤه؟! كنت (1) أمنع نفسي به منكم فضرب عنقه، واستشار في أصحابه، فأشير عليه بأن يستتابوا، وتكفل به (2) عشائرهم فاستتابهم فتابوا، وكفل به (2) عشائرهم، فقال ذلك إنه مذهب مشهور.
وأجيب عن هذا بأن محل كفالة أم كثلوم بأبيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنما كانت بالمال، وهو ظاهر اللفظ لأنه قال: فطلبه بمالي أن كان له
عليه، فتكفلت به أم كلثوم. فهذا الضمير في قوله به يعود على أقرب المذكورين وهو المال، والكفالة بالمال لا ينكرها أحد.
وأجيب عن حديث ابن مسعود بأن المرتد إذا استتيب لم يلزمه أن يأتي بمن يتكفل به، هذا لا يؤخذ بظاهره باتفاق.
ابن القصار، من أصحابنا إلى أن مدافعة هذا الانفصال بأنهم كانوا متهمين بأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل الاستتابة فكفل بهم عشائرهم ليرفعوا خبرهم إليه، ويمنعوهم من الرجوع إلى الكفر، فصارت الكفالة ها هنا لها مدخل في الإفادة.
وتعلق من أجاز ذلك بقوله في خبره عن أخذه يوسف ﴿إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين﴾ (1) ويقولون خبرا عن أبيهم يعقوب: ﴿لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم﴾ (2) فهذه كفالة بالوجه.
واجيب عن هذا أيضا بأن شرع يوسف كان الشرع فيه استرقاق السارق، وبهذا جعل الصواع في رحل أخيه ليستبيح بذلك منعهم منه، وهذا منسوخ في شرعنا، على أن الاسترقاق ليس بكفالة ولا بقول أخوته "خذ أحدنا مكانه" كفالة به. وكذلك قوله تعالى: ﴿لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله﴾ (3) ليس بصريح في الجواز للكفالة بالوجه، وإنما هي معاقدة ومعاهدة عاهدهم أبوهم على أن يعيدوا إليه ولده. هذا، وذلك ليس بكفالة.
واستدلوا أيضا على جواز الكفالة بالوجه: بأن الكفالة بالمال أجيزت لما فيها من المصلحة والرفق والإحسان إلى المتكفل له بأن يستوثق من حقه بضمان
هذا الكفيل، وإحسان أيضا بالمتكفل عنه بأنه يطلق سراحه من الاعتقال والتضييق عليه، وهذا المعنى موجود في الكفالة بالوجه، فوجب أن تجوز لأن الغرض بها تحصيل المال الذي على المطلوب. فصار المقصود بها سببا لجوازها لكون الحمالة لم يختلف في جوازها.
واحتج المانعون لها بأن ضمان الأعيان ودخولها في الذمم لا يصح كما لا يصح السلم في عين مرئية تكون في الذمة؛ لأن معنى الذمة ها هنا استحقاق المطالبة مادامت الذمة موجودة، والعين المضمونة إن بقيت فلا فائدة في ضمانها، وإن هلكت فلا يقدر أحد من الخلق على إعادتها بعينها، فصار ضامنها (1) في الذمة في معنى المستحيل. فكذلك الكفالة ببدن الإنسان لا تصح لكونها عينا مشاهدة. ولا يصح دخولها في الذمة، وكل مالا يصح ضمانه حالي تلفه فإنه لا يصح ضمانه حال بقائه. أصله الوديعة لأن الإنسان لا يضمن الوديعة التي أودعت عنده إن تلفت ولا يضمنها حالي بقائها.