وإن تحملت البكر التي لا يولي (4) عليها باب ولا وصي لجرت حمالتها على القولين في أفعال السفيه الهمل هل تمضى أو ترد؟ على مابسطناه في كتاب الحجر.
ولو بلغت التعنيس، وهي بكر في بيت أبيها، وأونس رشدها، فتكفلت، فاختلف قول مالك في ذلك: فألزمها الكفالة مرة، ومنعها أخرى، ومرة صرف ذلك إلى ما يقوله الأب من إمضاء أو رد لكونه أخبر بحالها وباطن أمرها.
وأما كفالة المريض فإنها في ثلثه، لأن الكفالة كالهبة لمنافع مال يؤديه عن رجل ثم يرجع عليه بعد حين.
ولو تكفل في مرضه ثم صح لزمته الكفالة.
ولو مرض بعد صحته ومات لأخذ من رأس ماله. فإن قيل هلا سقطت إذا مات بعد صحته لأنها كهبة لم تقبض حتى مات الواهب؟ قيل: في هذا اختلاف في المذهب.
فإن قيل: إن عدم الحوز فيها كعدم الحوز في الهبات. وقيل (1): هذه بخلاف الهبات، لأن الهبة لم يتعلق بها حق سوى حق الموهوب له، وأما الحمالة فهي هبة لمن عليه الدين بأن يقضى عنه دينه ثم يرجع به عليه إذا أيسر، ولكن تعلق بهذه الهبة حق لغير الموهوب له وهو المتحمل له المستحق للدين، وهو ليس بالموهوب له، فصارت الهبة ها هنا كالمقبوضة لزوال يد الموهوب له عنها وحلول غيره محله، فصار هذا كالحوالة، والحوالة ها هنا كالقبض من الموهوب له، فلهذا أمضاها. وقد اختلف فيمن وهب سلعة لرجل فلم يقبضها الموهوب له حتى باعها من رجل آخر، ثم مات الواهب وهي في يديه، فقيل ببطلان الهبة لعدم الحوز، وقيل بإمضائها لتعلق حق المشتري بها، والمشتري ليس بموهوب له وإنما يستحقها عن معاوضة، وعقود المعاوضة لا تفتقر إلى حيازة.
على هذا يحيل الأمر في مسألة المدونة (2) في القائل لرجل: ما ناب لك على فلان فأنا حميل به، فمات الحميل قبل أن يقضى بالدين على المتحمل به فإن ذلك يؤخذ من تركته إذا قضي به، على الخلاف الذي ذكرناه ونبهنا عليه، وكأن الحميل يحل محل الغريم والدين الذي على الغريم ثابت في ذمته والحميل قد حل محله، فيتوجه ذلك في ذمته.
وأما حمالة من أحاط الدين بماله فالحكم، كما بين، أن لغرمائه أن يردوا
ذلك؛ لأنها هبة لما في يديه، وقد استحقوه عليه، وليس لمن أحاط الدين بماله أن يهب، على ما بيناه في كتاب التفليس، وذكرنا ما قيك فيه من تخريج خلاف.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
قد ذكرنا في السؤال الذي أمليناه ها هنا، وهو ما تصح الحمالة به، أن الحمالة لا تصح بالحدود التي هي حق لله سبحانه، إذ لا يجوز أن يحد رجل لرجل آخر، ولو أوصى بذلك، وكذلك الحقوق البدنية التي للخلق كالقصاص، فإنه لا يجوز أيضا التحمل بها على أن يقطع أو يقتل رجل بدل ما يوجب على آخر بالقصاص في النفس أو قطع اليد. إلى غير ذلك مما اشتمل عليه ذلك الفعل. واقتضى الترتيب أن نملي هناك ما نمليه هنا من الكلام في الحمالة بالوجه.
فاعلم أن المحتمل به إما أن يكون ببدن الإنسان المطلوب مال أحال عليه. فإن كان التحمل ببدن الإنسان ولم يشترط ما عليه من المال، فإن هذه الحمالة اختلف الناس فيها، على ما نقله بعضهم، وذلك أنه لم يختلف عن مالك وأصحابه ولا عن أبي حنيفه وأصحايه، في جواز الحمالة بوجه من عليه دين. وبذلك قال جمهور العلماء فمنهم شريح والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وغيرهم، حتى أن بعض أصحابنا البغداديين وبعض أصحاب الشافعي يشيرون إلى إجماع السلف على جواز ذلك.
وإنما وقع النزاع، في إثبات الخلاف في هذه المسألة وارتفاع الخلاف فيها، في لفظة وقعت للشافعي فاختلف أصحابه في تأويلها، وذلك أن ابن القصار، من أصحابنا، يقول: إن الشافعي قال بالجواز، وقال بالمنع، وكيار أصحابه ينكرون إضافة المنع إليه، ويرون أنه موافق لمذهب الجماعة، وإلى هذا أشار أبو حامد الاسفرايني، فذكر أن المعروف عنه في كتبه جواز الحمالة بالوجه. ونقل ذلك عنه من كلامه في الإقرار، والمواهب، وفي اختلاف