وهذا الذي ذكر فيه الموثق والمعاهدة وإن لم يكن تصريحا بلفظ الحمالة ففيه معناها، ولكن هذا شرع من كان قبلنا. وإنما يكون هذا مما يعتمد عليه على مذهب من قال من الأصوليين: إن شرع من قبلنا نحن مخاطبون به إلا أن يأتي في شرعنا ما ينسخه. ولم يرد في شزعنا ما ينسخ جواز الحمالة بل ورد ما يؤكد جوازها.
وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والمنحة مردودة والزعيم غارم (3) وقوله فيما رواه قبيصة "لا تحل الصدقة إلا لثلاث: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى
يؤديها (1) فجعله - صلى الله عليه وسلم - من الغارمين الذين تباح لهم الزكاة. ولولا أن الحمالة لزمته ما كان من الغارمين.
وقد أباح الله تعالى الرهبان في الحقوق، ومعلوم أن ذلك القصد به الاستيثاق بالحق فلهذا جاز، فكذلك الحمالة.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
الكفالة تجوز عن الحي والميت والفقير والغني. هذا مذهمب الجمهور من فقهاء الأمصار.
ولم يختلف أحد من أهل العلم من جواز الحمالة عن الحي موسرا كان أو معسرا، ولا في الحمالة عن الميت إذا مات موسرا. وإنما اختلفوا في الحمالة عن الميت إذا مات معسرا:
فالجمهور على جواز الحمالة عنه، كما ذكرنا.
وانفرد أبو حنيفة والثوري فمنعا ذلك.
وصاحبا أبي حنيفة: محمد بن الحسن وأبو يوسف ذهبا إلى ما ذهب إليه الجمهور من جواز الحمالة على من مات معسرا.
ودليلنا على أبي حنيفة ما خرجه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال: أتي النبي عليه السلام بجنازة، فقال:. أعليه دين؟، فقالوا: نعم فقال: هل ترك شيئا؟ فقالوا: لا، فقال عليه السلام: صلوا على صاحبكم. فقال أبو قتادة علي دينه، يا رسول الله. فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2). هذا كالنص في جواز استئناف (3) الحمالة بدين، مات وهو عليه، وهو معسر.
وهم يدافعون هذا بأن هذه ليست بحمالة، وإنما هو كالعدة وكالتبرع والتطوع بقضاء حق عن آخر، من غير أن يكون كفيلا به
وظاهر سياق الحديث يقتضى خلاف ما تأولوه لأنه - صلى الله عليه وسلم - امتنع من الصلاة على هذا الميت. فلما قال أبو قتادة: علي دينه صلى عليه. فلولا أن هذه حمالة لم يصل عليه لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - في أول الإسلام لا يصلي على من مات وعليه دين، وما ذلك إلا تحضيضا على الوفاء بالديون.
وأيضا فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "كانت تقتضي الغفران للميت وتحجزه عن النار" (1).
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه" (2) فكأنه إذا كان مرتهنا بدينه كالمحجوز عن الجنة، فصارت صلاته كالمنافية لما قال. وقد قال لما صلى على السوداء التي كانت تقم المسجد: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله نورها بصلاتي عليهم" (3)، فلما فتح الله الفتوح قضى الديون عن الغرماء، فقال: من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا فعلي" (4).
وهذا الذي رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع وإن لم يكن نصا في الحمالة فقد روى الحديث، جابر فقال فيه: "مات وعليه ديناران فتحملها أبو قتادة فقال - صلى الله عليه وسلم -: هي عليك والغريم منها بريء" (5) فهذه الرواية قد صرح فيها بلفظ الحمالة فلا مطمع لهم في تأويلها على غير الحمالة.
وهكذا روي أيضا "أن رجلا مات وعليه درهمان فلم يصل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال علي رضي الله عنه: هي علي فصلى علمه، وقال له عليه السلام: جزاك
الله عن الإسلام خيرا وفك رهانك كما فككت رهان أخيك" (1) الحديث.
وأما سبب الاختلاف في هذه المسألة من جهة الاعتبار فإن أبا حنيفة يرى أن الدين لا بد له من محل، ومحله الذمة أو عين مال، وذمة الميت قد هلكت وتلفت بتلف صاحبها، لأن الذمة وصف من أوصاف الإنسان الحي، وإذا ذهبت الحياة ذهبت الذمة، وهو لم يترك عين مالي يقضى منه دينه. فلما استحال تصور محل الدين في حق الميت المفلس استحال توجه الدين عليه فاقتضى ذلك سقوطه عنه، والساقط لا تصح الحمالة به. وهذه عمدة القوم.