تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا لا يصح التشبيه فيه لأنه يعلم ضرورة استحالة كون الجسم في مكانين بخلاف الدين فإنه يصح أن يكون في ذمتين لأنه ليس بذات تفتقر إلى مكان تحل فيه. وإنما الغرض بالكفالة أن يكون الحق في ذمة، فإن تعذر استيفاؤه منها انتقل إلى ذمة أخرى، ولا يستنكر انتقال الجسم من مكان إلى مكان.

هذا على أحد القولين في الحميل لا مطابقة (1) عليه مع إمكان أخذ الحق من الغريم. وإنما تتوجه عليه المطالبة عند تعذر ذلك من الغريم:

وعلى القول بتخيير صاحب الدين بين طلب ذمة الحميل فليس في ذلك أيضا ما يستحيل، فكأنه خير بين محلين يستوي حقه من أيهما شاء، كما خير الله في كفارة اليمين بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فأي الأمرين اختار المكلف فهو الواجب عليه، فكذلك من له الدين وله كفيل:

أي الذمتين اختار طلبها فإن ذلك في حقه كالجالس في مكان يمكنه أن يختار (المنتقل منه إلى جهة اليمين أو من جهة الشمال) (2).

والحوالة ينمي اسمها عن تنقل الحق عن ذمة ومصيره في ذمة أخرى، كما يقال: تحول زيد من هذا المكان إلى هذا المكان. ومعناه خرج عن المكان الأول فصار في المكان الثاني. والضمانة بعكس هذا، لأنها تتضمن إضافة ذمة إلى ذمة. هذا سبب الخلاف من جهة المعنى المستند للعقليات.

وأما سبب الخلاف من جهة الشرعيات فإن ابن أبي ليلى ومن وافقه يرون

أن النبي عليه السلام اجتنب الصلاة على من مات وعليه دين ولا وفاء له، فلو كانت الحمالة لا تفيد براءة المتحمل عنه من الدين الذي عليه لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صلى على من عليه دين وإن كان قد تحمل به أبو قتادة (1)، إذ لا فرق بين أن يكون عليه الدين لغريمه الأول أو لمن صار غريما فالمحتمل (2) عنه.

ويجاوبون عن هذا بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمتنع من الصلاة على من عليه دين إذا خلف وفاء. وإذا تحمل عن الميت صارت ذمة الحميل وماله كمال الميت فصار كمن مات وترك وفاء بالدين.

وأما سبب الخلاف من جهة ألفاظ الحديث، فإن ابن أبي ليلى يقول: قد قال لعلي: جزاك الله عن الإسلام خيرا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك. فلولا أن الدين يسقط عن الميت بالحمالة لم يصح التشبيه بأنه افتك الرهن.

ويجابون عن هذا بأن المراد أنه فكه من امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة عليه التي توجب له الجنة، فصار تحمله الدين المقتضي صلاة النبي عليه كافتكاكه من هذه العقلة. وقد قال في الحديث: معلقة بدينه حتى يقضى عليه.

وتعلقوا أيضا بقوله في بعض طرق حديث أبي قتادة (3) عليك وقد يرى منه. وهذا يقتضي أنه يبرأ بالحمالة.

ويجاب عن هذا بأن اللفظ ليس بخبر عن حكم الله تعالى، فإن الحمالة تبرىء من الديون وإنما المراد التزامه للدين. ولهذا أجابه أبو قتادة عن هذا بأن قال: نعم (4) لا يفتقر فيما أخبر به من الأحكام - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يقال: نعم. ويؤكد

هذا بأن أبا قتادة قضاه بعد يومين أو ثلاثة، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: " الآن برد جلده" فلو كان بنفس الحمالة برئ من الدين لكان جلده قد برد من وقت الحمالة ولم يقف ذلك على قضاء الدين عنه. وهذا واضح.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

أما الدليل المعتمد عليه في جواز الحمالة فالكتاب والسنة مع الاتفاق على جوازها على الجملة.

فأما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ (1). والمرادب "زعيم" كفيل كما قدمناه. فقد أثبت بهذه الآية الزعامة وهي الكفالة. وهذه كفالة بالمال.

وقال في السورة بعينها: ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل﴾ (2). وهذه حمالة بالوجه، وهو أحد أقسام الحمالة على ما سنبينه بعد هذا إن شاء الله.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧١١