تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن نعتمد على أن الإبراء منه يصح، والتبرع بالقضاء يصح أيضا. فلولا كون هذا الدين ثابتا لم يصح التبرع بقضائه ولا الإبراء منه.

ونعتمد أيضا على الاتفاق على أنه لو كانت الحمالة في حال الحياة ثم مات الغريم فقيرا لم تسقط الحمالة. فلو كان الأمر كما قال أبو حنيفة إن الموت يسقط الدين إذا لم يترك الميت مالا، لسقطت الحمالة التي كانت في حياة الميت؛ لأن الحمالة تبع لثبوت الدين وفرع عنه، فإذا سقط الأصل سقطت فروعه وما يتبعه. ألا ترى أن من تكفل بصداق امرأة فارتدت قبل الدخول سقط صداقها بارتدادها أن الكفالة به ساقطة أيضا لما سقط الأصل سقط الفرع.

وهم ينفصلون عن الإبراء والتطوع بقضاء الدين أن المراد بذلك سقوط الإثم عنه في الآخرة.

ونحن نقول: بل حصول الإثم يدل على أنه لم يسقط وهم يقولون جوابا عن هذا: الآثام من حقوق الآخرة والديون من حقوق المعاملات في الدنيا، ونحن إنما أسقطنا عنه الدين في الدنيا لأنه ميت، وفي الآخرة يصير حيا، والحي تتوجه إليه المطالبة. والموتة التي بين الحياتين: حياة الدنيا وحياة الآخرة تجري عليه فيها أجكام الآخرة كما تجري عليه أحكام

الاعتقادات الدينية، وقد يجرى على الأجنة في البطون، قبل أن يخلق فيها الحياة، أحكام الحياة، لأنه سائر إليها، فلهذا أجاز الإبراء والتبرع بالقضاء والمتبرع بالشيء له الرجوع عنه إذا لم يلزمه، والكفالة التزام فافترقت حقيقتها (1). وإنما مطالبة الحميل مع كون الميت مات فقيرا، وإن الالتزام كان في الحياة، والكفيل في يديه مال يقضى منه الدين، فصار ذلك كمال تركه الميت يقضى منه الدين بإجماع.

ونحن ننازعهم في كون مال الكفيل كتركة الميت لأن الميت له أن يوصي فيما ترك، ويكفن منه، (ويقبر فيه بالحقوق) (2)، وليس له ذلك في مال الكفيل.

وينفصلون أيضا عن جواز الحمالة بدين على من ثبت إعساره، فإنه يرجى له أن يكتسب مالا فصار السقوط في حق الحي المؤجل إلى أجل ينتظر، والميت لا ينتظر أن يكتسب مالا.

ونحن نقول جوابا عن هذا: يصح أيضا أن يطرأ له مال لم يعلم الآن، أو تكون له ذخيرة خفيت عنا، كما يمكن أن تكون ذخيرة للحي المعسر أخفاها هنا.

ويقولون هم أيضا: نحن إنما أسقطنا الدين عمن هو معسر في علم الله سبحانه، فإذا كان للميت مال خفي عنا، فلم يعسر في الباطن. وهذا كله معارك من جهة الاعتبار نكتته هل سقط الدين عن الميت بموته مفلسا فيسقط عن الحميل لكون الأصل إذا سقط سقط الفرع، أو يقدروا دينه باقيا فيصح التزامه؟ فإذا أضربنا عن هذا كله، وثبت التعلق بحديث أبي قتادة لا سيما على رواية جابر قدم ذلك على هذه المحاجة، لكوننا نرى أن خبر الواحد الصحيح مقدم على القياس، وفي هذا مقنع.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

الحمالة بالمجهول جائزة عندنا وعند، أبي حنيفة.

ومنعها ابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري والليث بن سعد وأحمد والشافعي.

وخرج ابن شريح، للشافعي قولا آخر بجوازها سننبه عليه فيما بعد.

ولقد ذكر في المدونة فيمن ضمن ما قضي به لزيد على عمرو أن ذلك يلزمه، ولم يشترط علم الضامن بما يقضى به. وذكر في المدونة أيضا:

فالقائل: (6) بايع فلان (1) والثمن علي. أن ذلك يلزمه. (ولم يشترط الضامن ها هنا ثمن اثمانا للمبايعة) (2).

وقد وقع لمالك في الموازية والعتبية في من وصى لولده أن تقضى ديونه، ولا يعلم مقدار الديون ولا مقدار التركة، أن ذلك جائز. ولو طرأ غريم لم يعلم به للزم الولد القيام له بدينه، لكون أصل الضمان وقع على غير معلوم وهذا منه.

وكذلك أيضا ذكر فيمن مات وجمليه ديون فقال أحد ورثته لغرمائه:

سلموا إلي تركته، إلى أجل سماه، وأنا أقوم بديونكم، أن ذلك جائز إذا قصد به المعروف، وعلم أنه إذا فضلت فضلة عن الديون كلها يستحقها الميت دخل بقية الورثة فيها فقسموها على الفرائض المشروعة. وأما لو كان على (3) النقص عليه يقوم به للغرماء، وينفرد بزيادة إن ظهرت، فإن ذلك لا يجوز لأنه يضمن نقصا مجهولا رجاء أن يربح ربحا مجهولا، وهذا لا يجوز.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧١٣