المبيعة على قيل أو وزن أو عدد فلا خلاف عندنا، وعند فقهاء الأمصار، في المنع منه على ما مضى بيانه. وأما ما لا ربا فيه من الأطعمة فالمشهور عندنا من المذهب المنع من بيعه قبل قبضه أيضا. وروى ابن وهب عن مالك جواز بيعه قبل قبضه.
فأما المذهب المشهور فحجته قوله عليه السلام "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" (1) تعم سائر الأطعمة.
وأما رواية ابن وهب فقد أشرنا إلى وجهها، وكأنه رأى الطعام لما خص بالعبات (2) منه ويدخر فتحريم الربا فيه لشرفه وكونه حافظا للحياة، وكذلك يخص بالمنع من بيعه قبل قبضه. وهذا المسلك بعيد، على مقتضى حقائق الأصول؛ لأنه يختص (3) للعموم بهذا الضرب من الاستدلال المأخوذ منه، فكأنه تعليل للخبر (لما يقتضي عمومه) (4) فصار كالفرع إذا عاد ببطلان أصله.
فإذا قلنا بالمذهب المشهور من تعميم المنع من (5) سائر الأطعمة فإن الزرارع منها ما لا يجري مجرى ما ينبت منها، إذا لم تكن مأكولة في نفسها في غالب الأمر، فلهذا أبحنا زريعة الفجل الأبيض وزريعة الكراث والقثاء والبطيخ وشبه ذلك. فهو، وإن كان ينبت منه الطعام المأكول، فليس هو الآن بالطعام الذي اعتيد أكله، لكن لو كان زريعة الفجل الأحمر لمنع من بيعها قبل قبضها لكونها يعتصر منها الزيت، ولهذا تراد، وأعطيت حكم الزيت لما كانت لا تراد إلا له.
وكذلك قيل في حب العصفر أنه يمنع قبل قبضه لأجل أنه إنما يراد منه الزيت الذي يعصر منه.
والخردل ألحق بالطعام لأنه يؤكل في نفسه فلحق بالأطعمة. بخلاف
زريعة الحرف وهي زريعة الرشاد لكونه لا يؤكل في نفسه ولا يراد للزيت.
وقال ابن سحنون: اتفق العلماء على أن الزعفران ليس بطعام وأنه يباع قبل قبضه.
وأما الماء فخرج فيه بعض أصحابنا اختلافا في بيعه قبل قبضه سنبينه في كلامنا على الربا فيه وفي غيره إن شاء الله.
وأما الأبزار المطيبة للأطعمة كالفلفل والكروي وشبه ذلك فإن المشهور من المذهب المنع من بيعها قبل قبضها. وذكر ابن شعبان في مختصره جواز بيعها قبل قبضها.
والكمون الأسود وهو الشونيز، المشهور عندنا أنه يمنع من بيعه قبل قبضه. وقيل إن الكمونين جميعا، الأبيض والأسود، لا يمنع من بيعهما قبل قبضهما.
وأما الشمار، وهو زريعة البسباس، والأنيسون وهي الحبة الحلو (1) فإن في بيعهما قبل قبضهما اختلافا أيضا في كونهما وكون الكمونين أصنافا شتى أو صنفا واحدا اختلافا أيضا نبينه في أحكام الربا إن شاء الله.
واختلف في الحلبة فقيل: إنها طعام، وقيل: ليست بطعام؛ وقيل: اليابس منها ليس بطعام. هذا دليل جنس الطعام الذي يمنع بيعه قبل قبضه.
وأما بيان الصفة التي يباع عليها، فإنا قدمنا أنه إذا بيع على الكيل أو الوزن أو العدد فإنه لا يختلف في المنع من بيعه قبل قبضه. وأما إذا بيع جزاف الأولكن الضمان لم ينتقل إلى المشتري فإن المذهب في بيعه قبل قبضه على قولين:
الجواز والمنع، كمشتري لبن غنم بعينها شهرا، فإنه اختلف فيها ابن القاسم وأشهب في جواز بيعه لهذا اللبن قبل قبضه. وكذلك يختلف في هذا في بيع صبرة للطعام قبل أن تقبض، إذا كانت محبوسة بالثمن، على أحد القولين في
كون المحبوس بالثمن ضمانه من بائعه لا من مشتريه. وأما إذا قيل: إن ضمان المحبوس بالثمن من مشتريه، فإن هذا لا يختلف فيه بناء على هذا الأصل.
وكذلك اختلف فيمن اشترى جزءا من ثمرة فأراد أن يبيع ذلك الجزء قبل قبضه، وكذلك اختلف فيمن باع ثمر نخلة أو صبرة طعام واستثنى منها ما يجوز له استثناؤه من المكيلة، وهو الثلث فأقل منه، وأراد أن يبيع هذا المكيل الذي استثناه قبل قبضه فإن فيه روايتين: الجواز والمنع؛ ولكن هذا مبني على أصل آخر وهو الخلاف في المستثنى هل هو مبقى على الملك فيجوز لمستثنيه أن يبيعه قبل قبضه كسائر ما يريد أن يبيعه من أملاكه، أو يقدر أن المستثنى مشترى فيكون البائع لما استثنى هذه المكيلة فكأنه باع الصبرة بدنانير وهذه المكيلة التي استثناها، فيكون مشتريا لها، ومن اشترى طعاما على الكيل منع من بيعه قبل قبضه. وأما لو مكن بائع الصبرة مشتريها منها ولم يحلها بالثمن فإن مالكا أجاز شراءها قبل أن تنقل. وروي عنه أنه استحب ألا تباع حتى تنقل. وبالمنع من بيعها قبل قبضها قال أبو حنيفة والشافعي لما روي عن ابن عمر في الصحيح أنه قال: كانوا يضربون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام إذا اشتروه جزافا، لا يبيعونه حتى ينقلوه إلى رحالهم (1). وروى مالك في الموطأ هذا الحديث ولم يقل فيه: "جزافا" بل أورده مطلقا (2).