نادر، والنوادر لا يلتفت إليهالأولا يكون تجويزها من العذر المانع لعقد البيع.
وهذه النكتة التي أشرنا إليها توضح ذلك.
وجه تفرقة ابن حنبل وغيره بين المكيلات والموزونات وبين غيرها من المكيلات والموزونات قد اتفق أن ضمانها لم ينتقل للمشتري قبل الكيل والوزن فحسن دخولها في النهي عن ربح ما لم يضمن ولا يحسن دخول ما سواها من المبيعات لكونها يضمنها المشتري بالعقد على أحد القولين عندنا. ولأجل هذه النكتة التي نبهنا عليها ذهب أبو حنيفة إلى (1) ما لا ينقل ولا يحول كالعقار يجوز بيعه قبل قبضه، بخلاف غيره من السلع؛ لأن العقار لا يمكن ضياعه وعدم عينه، فيبطل العقد بعدم العين، وإنما يجوز عيبه، والعيب لا يبطل الملك ولا يلحق العين بالعلم. فأنت ترى أبا حنيفة إنما فرق أيضا بين العقار وغيره اعتبارا بهذه النكتة التي نبهنا عليها، وجعل ابن حنبل ومن ذكرنا معه إنما فرقوا بين المكيل والموزون لأجلها. ولكن هذه النكتة عليها يدور أكثر الخلاف.
قال بعض أصحاب الشافعي: القبض على ثلاثة أنواع: قبض ينقل الملك وذلك في الهبات. وقبض يصحح العقد وذلك في الرهبان. وقبض يصحح الملك ويحققه وذلك في المبيعات. والقبض يتنوع بتنوع المبيعات بحسب مقتضى العادات فيها، فالمكيل والموزون يعتبر فيه الكيل والوزن، واعتبار قدر المناولة في انتقال الضمان كالمكيال للزيت إذا انصرف عند (2) أحدهما قبل إمكان مناولته وتفريغه، فإن فيه في المذهب اختلافا عندنا: هل ضمانه من البائع أو من المشتري؟ فلو تصور عقد البيع في هذه النكتة، التي اختلف فيها في الضمان، يجري جواز البيع على القولين في جواز بيع الطعام الجزاف قبل أن ينتقل إلى ضمان المشتري، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وأما ما سوى الطعام فإنه يجوز بيعه قبل قبضه فلا فائدة في تنوع القبض
عندنا. وأصحاب الشافعي ينوعونه فيرون أن الحيوان الناطق إذا بيع فقبضه أن يستدعى فينتقل من مكانه إلى المشتري الذي استدعاه. والحيوان البهيم أن يقاد من مكانه، إلى غير ذلك مما تعتبر فيه العادة في قبضه. وأبو حنيفة يرى أن التخلية والتمكين من المبيع قبض. ويحتج أصحاب الشافعي بالحديث الذي قدمناه، وهو قوله "نهى عن بيع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" ويقول ابن عمر: كانوا يضربون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوا الطعام الذي اشتروه جزافا قبل أن ينقلوه (1). وهذا الظاهر يمنع من الاقتصار في القبض على التخلية والتمكين، وإن كان ظاهر الحديث يقتضي أن لا يكتفي بتحويل المبيع عن مكانه حتى يصل إلى منزل المشتري، فإن اعتبار وصوله إلى منزله وما قبله من النقل عن المكان خاصة يمنع لظاهر الحديث.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
اختلف أهل المذهب في منع بيع الطعام قبل قبضه: هل الحديث الوارد في ذلك شرع غير معلل أو معلل يكون العينة يستعمل فيه؟. ومذهب القاضي أبي الفرج والقاضي أبي محمد عبد الوهاب أنه معلل بالعينة. وقد ذكرنا كلام أبي الفرج وتردده في ذلك، وإشارته إلى أنه يحرم تارة لأجل العينة وتارة للخبر، ثم مال إلى اعتبار العينة وتعليل الحديث بها، ورأى أنها إذا ارتفعت ارتفع حكمهالأولكنه شرط في هذا أن يكون البيع بالنقد. وقد أشار ابن مزين إلى اعتبار النقد أيضا في هذا. وكنا قدمنا نحن عن بعض أصحاب الشافعي أنه أشار إلى أنه إنما أشار بالذكر لكونه تمس الحاجة إليه لحفظ الحياة بأكله، فإذا منع بيعه قبل قبضه مع هذه الحاجة إليه فأحرى أن يمنع ما سواه. ويمكن عندي على أصلنا إنما خص بالذكر لشرفه كما يخص بتحريم الربا على رواية ابن وهب؛ لأنه لا يمنع بيع ما لا ربا فيه من الطعام قبل قبضه.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: ما يمنع التفاضل فيه من الأطعمة