والنكتة التي وقع الإشكال بسببها أن إقرار أحد الولدين يكون هذا الرجل الثالث ابن أبيهما إقرار بلفظ وبمعنى واحد وهو ثبوت النسب.
وأما الحكم الآخر، وهو المشاركة في الميراث للمقر، فهو فرع عن ثبوت النسب، وكأن النسب مقدمة ونتيجتها الميراث. فإذا كان النسب مما لا يجري أو (2) لا يقبل التبعيض حتى يكون نسبا من جهة وليس بنسب من جهة أخرى، ويبطل ثبوت النسب بهذا الإقرار باتفاق، وجب أن يبطل ما تفرع عنه وكان نتيجة له. ولا شك في أن بطلان الأصل يبطل به الفرع. وكذلك بطلان المقدمة ييطل النتيجة. وهذا أصل مقرر معقول. ومقتضاه صحة ما قال الشافعي من أن هذا المقر لا ينزع من يده شيء مما ورث للمقر له، لبطلان ثبوت نسب هذا المقر
له، وهذا يقتضي بطلان ما تفرع عنه وهو الميراث. فهذا المعنى هو الذي يلحظه من صار إلى مذهب الشافعي.
فأما من صار إلى مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة فإنهم يلحظون المسألة من جهة أخرى. وذلك أنه قد تقرر أيضا في أصول الشرع أن من أقر على نفسه أخذ بما أقر به بغير خلاف، ومن أقر على غيره لبم يؤخذ الغير بإقرار هذا عنه.
فإذن حكم كل واحد من هذين الإقرارين متفق عليه، فيجب أن يجري الإقرار الواحد الذي يتعلق به حكمان مجراهما لو انفرد كل واحد منهما وتجرد عن صاحبه، فلا يقتضي ثبوت النسب لأنه إقرار على الغير. وهذا المقر إنما قال: إن أبي ولد هذا، فذلك إقرار على أبيه فلا ينفذ إقراره على غيره. وقد تضمن هذا الإقرار أنه معترف بأن هذا المقر له يستحق مشاركته في ما في يده، وذلك إقرار منه على نفسه، فوجب أن يقضى عليه به، كما لو انفرد هذا الإقرار. فكأن المذهب أعطى كل واحد من الإقرارين المرتبطين حكمه لو انفرد دون ما قرن به.
والمذهب الأول بناه على أن الإقرارين المرتبطين إذا بطل أحدهما بطل ما اقترن به مما لا يصح إلا بصحته. فهذا سيب الإشكال لما أريناك ..
وصور الشافعي هذه النكتة بصورة أخرى فقال: إذا قضي على المقر بحق عليه، لأجل هذا الإقرار، وجب أيضا أن يقضى بماله من حق تضمنه هذا الإقرار.
والمراد بهذه الإشارة أن إقراره هذا إذا ألزمه ذلك أن يسلم يعض ما في يده فيجب أيضا أن يقضى له بأخذ ما في يد غيره بمقتضى هذا الإقرار، حتى إذا مات المقر له وله أخوة ثابتو النسب فيجب أن يشاركهم هذا المقر فيما في أيديهم من المال الذي ورثوه عن هذا المقر له. وليس لأحد أن يورث رجلا بالنسب وله نسب ثابت يقتضي رفع حكم هذا الإقرار.
ويرجح مذهبه من صار إليه (1) تبعيض هذا الإقرار، وأعطى كل واحد من
الإقرارين حكم نفسه، لو انفرد، بمثل يقر بها فيقول: لو قال رجل لزوجته: طلقتك على مائة دينار التزمتها. فأنكرت المرأة ذلك، فإن الطلاق واقع، والمال ساقط. فقد تبعض هذا الإقرار، وهو شيء واحد، فسقط منه دعواه على غيره.
بالمائة دينار، وثبت منه إقراره على نفسه بالطلاق.
وكذلك يجب ثبوت المشاركة في الميراث للمقر وإن سقط النسب.
وكذلك في العتق لو أقر بالعتق وادعى على العبد بأنه أعتقه على مال.
وكذلك لو أقر بأنه باع عبدا من رجل سلمه إليه فأعتقه مشتريه وأنكر المدعى عليه الشراء والعتق، فإن العتق لا يرد (للاعتراف ومالك) (1) العبد بأنه صار حرا وذلك إقرار على نفسه، ولا يقبل قوله في دعواه البيع لأنه إقرار على غيره ودعوى عليه.
وكذلك لو أقر بأنه ضمن لرجل دينا له على رجل فأنكر المدعى عليه بالدين أن يكون عليه دين، فإن الضمان لا يسقط، عن (2) بعض من صار إلى هذه الطريقة.
وكذلك لو أقر لامرأة بأنها أخت له فإن نسبها لا يثبت من أبيه لكونه إقرارا على غيره، ولكن هذا النسب وإن سقط فإن التحريم ثابت عليه، ولا يحل له أن يتزوجها طردا للأصل فإنه يؤخذ بإقراره على نفسه ولا يؤخذ غيره بإقراره عليه. فقد علم: التحريم إنما يثبت في هذه المرأة فرعا عن ثبوت النسب، والنسب لم يثبت وهو أصل التحريم، والفرع عنه وهو التحريم ثابت، فكذلك يجب أن يكون الحكم في إقرار أحد الولدين بولد ثالث.