والجواب عن السؤال الحادي والعشرين أن يقال:
قد قدمنا في صدر كتاب الإقرار جملة، منها يؤخذ حكم هذه المسألة وأخواتها. وذكرنا أن الألفاظ الواقعة من المقر تؤخذ معرفة معناها من اللغة أو عرف الاستعمال.
وهكذا الأمر ها هنا في البراءة، إذا وقعت، فإنه يعتبر لفظ الذي أبرأ هل هو تصريح في سائر المطالب أو محتمل؟
فما كان تصريحا لم يصدق في دعواه خلاف ما اقتضاه النصر والتصريح.
وما كان محتملا فالقول قوله فيه وفيما أراد بما قال.
فإذا قال رجل: مالي قبل زيد حق. فإن ذلك يحمل على أنه أبرأه من سائر
الحقوق، وكانت الديون في ذمته أو أمانة عنده.
وإذا قال: مالي عنده حق، فالأمر عندنا كذلك يحمل على (1) هذا القول على الإبراء من الديون والأمانات كقوله: مالي قبله حق.
وإن قال: مالي عليه حق. فاختلف سحنون واينه في هذه المسألة.
فرأى سحنون أن هذا الإبراء يعم سائر المطالب، ديونا كانت أو أمانات، وحكمها حكم اللفظين المتقدمين، وهي قوله "قبله" أو "عنده".
ورأى محمد ابنه أن ذلك إنما يحمل على ما كان مضمونا كالديون والعواري المضمونة.
وعندي أن سحنونا إنما عول على أن لفظة "على" تقتضي ما وجب؛ والذي يجب هو المضمونات والوديعة والقراض، يلزم (2) ردها. فصار ردها لما أن كان واجبا على الإنسان دخل ذلك في قوله: "لي عليه".
ورأى ابن سحنون أن هذا اللفظ إنما ينصرف إلى نفس المال لا إلى رده، فقيس (3) الوديعة ليست على المودع، وإن كأنه عليه أن يردها. فوجب عنده حمل هذا القول على الديون والمضمونات، دون ما سوى ذلك من الأمانات كالوديعة والقراض.
ومذهب أبي حنيفة كمذهب ابن سحنون في أن قوله: "لي عليه" إنما يحمل على الديون دون الأمانات. وخالفنا في قوله: "لي عنده"، فحمله على الأمانات خاصة، وهذا الذي دعاه إلى التفرقة بين قوله "لي عنده" و"لي عليه" فحمل قوله: لي عنده، على الأمانات، وحمله قوله: لي عليه، على
المضمونات، إنما رأى لفظة "عندي" لا يشار بها إلا إلى معتن، والديون غير وعندنا أنه يشار بها إلى ما كان حاضرا عند المطلوب، وإلى ما كان في ذمته.
والحق في هذا اتباع ما قدمناه من الالتفات من المراد بهذه الألفاظ في حكم اللغة أو في حكم الاستعمال أو عرف التخاطب.
والجواب عن السؤال الثاني والعشرين أن يقال:
كان مقتضى الترتيب عندنا أن يجمع إقرار المريض بحق لأحد ورثته، وإقرار المفلس لغريم، مع هذه المسألة وهي إقرار أحد الورثة بوارث، لأنها إقرارات تتضمن سقوط من ثبت له حق. ولكنا لما كنا توخينا ترتيب المدونة تكلمنا على إقرار المريض لأحد ورثته، وإقرار المفلس لغريم، فمما أمليناه من كتاب التفليس والمديان. وكذلك ما تقدم كلامنا على إقرار أحد الورثة بدين على الميت الموروث.
فاعلم أن إقرار الوارث بوارث آخر، لا يخلو هذا الإقرار من أن يكون يمطابق عليه جميع الورثة، وهم واحد أو جماعة، أو مختلفون فيه: فمنهم المصدق للمقر بزيادة وارث يدخل معهم، ومنهم المكذب.
وإحدى الصور في ذلك أن يموت رجل ويخلف ابنين، فيقول أحد الابنين لرجل آخر إنه ابن لأبيهما وإنه أخوهما، ويخالفه في ذلك الابن الآخر.
فهذا يتعلق به حكمان:
أحدهما: ثبوت نسب هذا الطارئ الذي أقر له أحد الولدين بحكم (1)
بكونه ابنا للميت، كما أن الولدين الثابتي النسب أباه (1) جميعا.
والحكم الثاني: مشاركة المقر له لهذا المقر ما في يده من المال الذي أخذه بالميراث.
فأفا إثبات النسب حتى يقضى بكونه ابنا للميت فلا سبيل إليه، ولا خلاف وأما المشاركة في المال للمقر فذلك مما اختلف الناس فيه.
فمنع ذلك الشافعي وأصحابه وبه قال ابن سيرين. ولم يختلفوا في هذا.
وأثبت المشاركة مالك وأبو حنيفة. وبذلك قال عثمان البتي وابن أبي ليلى.
وينبغي أن نستفتح النظر في هذه المسألة، بأن نلحظها بكونها من المعاوضات المشكلات عند بعض الحذاق من أئمة أهل النظر.