تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يقع في المذهب عندنا تصريح بخلاف هذا القول. وقد أشار ابن سحنون إلى ما ذكرناه من اتفاق أهل مذهبنا على هذا، وهو الذي ينصره البغداديون من أصحابنا ويضيفونه إلى مالك رحمه الله تعالى. وإن كان قد ذكر ابن سحنون ما رمز به إلى أن هذا مختلف فيه عندنا فقال، في غير كتاب الإقرار من كتابه،:

اضطرب قول مالك في هذا وآخر قوله: إنه إنما تلزمه مائة دينار واحدة، وحمل (3) على التكرير على قصد التأكيد لا على قصد التجديد.

وهذا الذي أشار إليه ابن سحنون من اضطراب قول مالك يقتضي أنه أشار مرة إلى حمل ذلك على التعديد وإن المقر تلزمه مائتان، وهو مذهب أبي حنيفة. لكن أبا حنيفة استثنى في مذهبه نوعأواحدا من الإقرار وهو أن يقع التكرير في مجلس الحكم، مثل رجل أشهد على نفسه يوم السبت بأن لزيد قبله مائة دينار، ثم رفعه زيد إلى القاضي فأقر عند القاضي بمائة دينار، ثم زعم أنه إنما أراد بما أقر به المائة التي كان أشهد بها. فإن أبا حنيفة صدق المقر في هذا

النوع من الإقرار خاصة، وحمل ما سواه من تكرار الإقرار على أن المراد به عددان اثنان، ولم يصدقه في قصد التكرير إلى التأكيد. وصاحباه محمد وأبو يوسف صارا إلى ما صرنا إليه، وخالفاه في مذهبه هذا. وهو إنما استثنى هذه المسألة من الإقرارات استحسانا، وإلا فهو يسلم أن القياس أن تجري مجرى أخواتها. وكأنه رأى أنه مضطر إلى الاعتراف بين يدي القاضي لما سأله الماضي، فصارت ضرورة إلى ذلك، وإكرامه (1) على أن يجيب عن السؤال كقرينة حال تصدقه في أنه إنما أقر بما تقدم إشهاده به. ونحن لا نفرق بين سائر المجالس في هذا سواء كانت عند الحاكم أو عند غيره، بناء على أن الأصول تقتضي حمل كل لفظة على فائدة مجددة، وعلى هذا أتى لسان العرب أنها إنما تتكلم بالكلام المفيد ولا تجدد كلمة واحدة إلا لفائدة مجددة. وهذا يقتضي أن قوله: يوم السبت مائة دينار، يفيد عمارة ذمته بمائة دينار، ثم قوله بعد ذلك:

لزيد عندي مائة دينار تفيد مائة أخرى، وإلا لو أفادت الأولى بعينها لم تكن لهذه اللفظة فائدة.

وهذه المسألة تنظر إلى اختلاف أهل الأصول في تكرير الأمر بالفعل الواحد، مثل أن يقول الباري سبحانه لرجل "صل صل" فإن الأصوليين مختلفون هل يحمل ذلك على صلاتين، أو صلاة واحدة ويكون التكرير للتأكيد. ومنهم من وقف بين هذين. المذهبين ورأى أن هذا اللفظ محتمل لهما. وكذلك إذا قال لزوجته: أنت طالق طالق، وأشهد رجلين على قوله لها: إنها طالق. ثم أشهد آخر بمثل هذا اللفظ، ثم أشهد آخر بمثل هذا اللفظ، فإن ذلك يحمل على ثلاثة تطليقات.

وقد اختلف إشارات أهل المذهب إلى هذا الذي ذكرناه في مسألة الطلاق: هل يجري تكرير الإقرار بالمال مجرى التكرير بالطلاق أم لا؟ فظاهر ما أشار إليه ابن القاسم أنهما شيئان وحكمهما واحد. وأشار ابن القصار إلى خلاف

هذا الرأي، ورأى أن الطلاق، وإن حمل. على التعديد، فإن الإقرار بالمال لا يجب حمله على التعديد. واعتل بأن الطلاق إيقاع لا إخبار، والإقرار بالمال إخبار، والإخبار يصلح فيه التعديد والتأكيد. وإذا احتمل ذلك لم يلزم التعديد بأمر محتمل. والطلاق إيقاع، وحكم الإيقاع يقتضي التعديد. وقد ذكر ابن شعبان في مختصره عن مالك فيمن أشهد رجلا بأن قال: امرأتي طالق، ثم آخر، ثم آخر، فإنه يصدق في دعواه إرادة التأكيد. وبعض أشياخي يميل إلى ما ذكره ابن القاسم، ويرى أن قوله: أنت طالق ليس بإيقاع بل هو كالإخبار، والمراد بقوله: أنت طالق أي أنت ذات طلاق. هكذا يقول أهل اللغة إن قول الرجل: امرأتي طالق، المراد به أنها ذات طلاق كما قالوا: رجل لابن، أي ذو لبن، رجل تأمر، أي ذو تمر. وهذا، إذا ثبت عن اللغة صار الطلاق معنى الإخبار، فلم يفترق الحكم كما أشار إليه ابن القاسم. وهكذا على ما ذكرناه عن ابن القصار يجري القول في تكرير الأمر بفعل واحد، فإن قوله "صل" يقتضي إيقاع الفعل، وكذلك قوله الثاني، فلا بد من إيقاعين بخلاف قوله: له عندي مائة دينار، ثم بعد ذلك قال: له عندي مائه دينار.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٠٤