وكذلك إذا قال الزوج لزوجته المطلقة: راجعتك، فسكتت عن إنكار ذلك، ثم بعد ذلك زعمت أن عدتها انقضت قبل قول الزوج: راجعتك، فإن ذلك لا يقبل منها، وسكوتها عن إنكار قوله كالتصديق له أن عدتها لم تنقض.
وكذلك قال سحنون في موص قال، عند موته، بأن جاريتي هذه تعتق بعد موته، والجارية تسمع ذلك ولا تنكره، فلما أن مات زعمت أنها حرة في الأصل، فإن ذلك لا يقبل منها.
فهذه مسائل جعل السكوت فيها عن الإنكار كالنطق بالتصديق.
وما ذكرناه من ترك إنكار المدعى عليه بمائة دينار قول المدعي: اشهدوا عليه بها، أن ذلك كالتصديق للدعوى، ممكن أن يقدر هذا أن العادة في مثل
هذا مع ذكر الإشهاد أنه لا يشبه السكوت عن إنكار هذا.
وبالجملة فقد ذكرنا ما وقع في هذا وأضربنا عن ذكر ما سواه من أمثاله.
والتحقيق فيه الالتفات إلى قرائن الأحوال، فمتى دلت على كون السكوت مصدقا قضي بذلك عليه، وإن دلت على كونه منكرا لم يقض عليه بالتصديق، وإن أشكل الأمر لم يقض عليه بالتصديق مع الاشكال والاحتمال، وقد يستظهر عليه باليمين على صدقه فيما لا يعتذر به من سكوته إذا أدى الاجتهاد لتحليفه.
وهذا هو المعتمد في الفتوى في هذا الأصل وفي غيره عندي، وعند بعض أشياخي المحققين.
وأما الإقرار على جهة الاستفهام ففيه قولان: مثل أن يقول زيد لعمرو: ألك عندي مائة دينار؟، فيقول المسؤول: نعم، فيرجع المستفهم عن استفهامه وينكر كونها عليه، فمذهب محمد بن المواز ومحمد بن عبد الحكم أن ذلك لا يكون كالتصريح بالإقرار بالمائة دينار. وذهب ابن سحنون أن ذلك إقرار بها.
وكأن ابن سحنون قدر أن استفهامه كالشك في كونها في ذمته، لمن استفهمه عنها، والمسؤول عن ذلك يحقق أنها له قبل المستفهم، فكان من حقه طلبه بها.
وكأن من لم يجعل ذلك إقرارأ قدر أن الشاك قد يرتفع شكه ويعود إلى اليقين، فيصدق في ارتفاع شكه، ويحلف على ذلك.
ولو قال: لك عندي مائة دينار ولم أقضك إياها؟ على جهة الاستفهام له، فإنه يطالب بالمائة دينار من غير اختلاف، لأنه إذا أقر بها ثم ادعى قضاءها لم يصدق، فأحرى إذا لم يدع القضاء بل شك فيه ألايبرأ مما أقر به.
قال ابن المواز: ويقضى بها للمقر من غير يمين لأن المستفهم لم يدع القضاء وإنما شك فيه، والمقر له موقن بأنه لم يأخذ من المقر شيئا.
وذكر ابن سحنون أن رجلا قال لآخر: أليس قد أقضيتني أمس ألف
درهم فقال الطالب: بلى أو نعم، ثم جحد المقر، فالمال يلزمه. وسوى ها هنا بين الجواب بنعم وببلى، وقد ذكر بعض أئمة النحاة أن الجواب بنعم في حرف النفي بخلاف الجواب ببلى، فقال في قوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾: لو قالوا "نعم" بدل قولهم "بلى" لكفروا.
وقد قدمنا هذا. وساوى ابن سحنون ها هنا في الجواب في قوله: أليس لي عليك ألف درهم، بين أن يقول السؤول "بلى" أو "نعم". وهذا. خلاف ما ذكرناه عن بعض النحاة، وكان بعض النحاة أجراها مجرى الإنكار للقول، فإذا قال:
"ألست بربكم" فوقع الاستفهام على حرف نفى به أن يكون ربهم؛ فإذا قالوا "نعم" فقد صدقوا النفي وكفروا. وإذا قالوا "بلى" فقد أنكروا النفي، وإكذاب النفي إثبات. فعلى مقتضى هذا يكون الجواب في مسألة ابن سحنون إذا قال الطالب "نعم" فقد أقر بأنه لا يستحق قبل المستفهم، وإذا قال "بلى" فقد أثبت بأنه يستحق قبله ألف درهم لأنه نفى ما نفاه المقر وإذا نفى النفي كان مثبتا كما بينا.
وقد ذكر محمد بن عبد الحكم في هذه المسألة: أن المستفهم لا يلزمه شيء. قال ابن عبد الحكم: ويحلف المقر.
وقد يقع المجاوبة عن القول ما (1) يشكل أيضا مثل لو قال رجل لآخر: أقرضتك ألف درهم، فقال: لا أعود لها، فهو إقرار فيما ذكر ابن سحنون. ولو قال: غصبتني مائة، فأجابه: ما غصبت قبلها، فقال سحنون (2): هو إقرار بها.