وكذلك قول "أجل" فإنها بمعنى نعم، فإذا قال إنسان لآخر: لي عندك مائة دينار، فأجابه بأن قال له: أجل، كان ذلك إقرارا بالمائة دينار. وكذلك قوله:
نعم. وكذلك إن قال له: أليس لي عندك مائة دينار؟ فقال: بلى. فهو إقرار بها.
ولو أجابه على قوله: أعطني مائة دينار التي لي عندك، فقال له مجاوبا عن هذا: سأعطيكها، سأبعثها إليك، وسأدفعها إليك، وليست عندي مهيأة كلها. فإن هذا إقرار بها.
ولو قال له: اجلس فأزن (1)، أو فاتزنها.، أو قال له: فأنقدها أو انتقدها (2)، فإن المذهب على قولين في هذه الألفاظ:
فمذهب سحنون إن هذا إقرار بها.
ومذهب ابن عبد الحكم أن هذا ليس بإقرار بها، واعتل بأنه لم يضف ذلك إلى نفسه، وإنما قال: اتزن أو اتزنها، وليس بتصريح بمن يزنها له.
لكن لو قال: اتزنها مني، أو اتزن مني، أو تنقد مني، لكان ذلك اعترافا لإضافة هذا الفعل إليه.
وذكر عن أصحاب أبي حنيفة أنهم يفرقون بين ذكر ضمير يعود إليها، وبين ألا يذكر ضميرا. فيجعلون ذلك إقرارا إذا قال: أتزنها. ولم يجعلوه إقرارا إذا قال: أتزن، أو إذا قال: أنتقد.
وذكر ابن سحنون فيمن قال لآخر؛ غصبتني هذا الغلام، فادفعه إلي، فقال: غدا. قال: أقر له به، في إجماعهم. وهذا يرد على أصحاب أبي حنيفة فيما ذكرناه عنهم من أنهم إذا تقاضى غريمه فقال له: اتزن؟ أنه لا يلزمه بهذا القول شيء. قال: فكذا يجب على قوله "غدا" ألا يكون إقرارا حتى يقول غدا أدفعه إليك.
ولو قال زيد لعمرو: أخبر بكرا بكذا، أن له على ألف دينار، أو قال (3):
له ذلك أو أعلمه بذلك. لكان هذا إقرارا على ما ذكره ابن سحنون في كتابه.
وكذلك لو قال زيد لعمرو: أخبر بكرا، أو أعلم بكرا، أو قم (1) لبكر: إن لي عليك ألف دينار، وقال: نعم، فإن هذا إقرار.
وأما إن قال زيد لعمرو: لا تخبر بكرا أن له علي مائة دينار، لكان في هذا قولان:
أحدهما أن هذا (1) لبكر بالمائة دينار وكأنه أقر بها ونهى عمرا عن إظهار هذا الإقرار وأمره بإخفائه وكتمانه.
والقول الآخر إنه ليس بإقرار.
فكأن من ذهب إلى هذا ورأى أن هذا القول لا يضمن (2) أكثر من النهي عن أن يحكي عنه هذا لكونه ليس بصدق، أو نهى عن ذكره لغرض آخر لا لكونه حقا أمره بكتمانه عنه.
وكذلك لو قال زيد لعمرو: أعطني لجام دابتي أو سرجها، أو اعطني باب داري، أو ثوب غلامي، فقال: نعم. فإن في ذلك على (3) قولين: هل يتضمن قوله "نعم" الإقرار بكونه سلمه ملك الدابة، وملك الدار، وملك العبد (4) ولم يسلم له ذلك، وإنما سكت عن إنكار إضافة هذا الملك له.
ومما يلحق بهذا الذي ذكرنا الاختلاف فيه السكوت عن إنكار الدعوى.
فقد وقع في العتبية عن ابن القاسم فيمن قال لرجل: لم سكنت فلانا في دارك، هل بإجارة أو باطلا؟ فقال: باطلا. والساكن يسمع ذلك فلا ينكره، فإنه لا يكون ذلك منه تسليما لكون الدار ملكا للقائل: أسكنته باطلا، لأنه قد يعتذر بأن
يقال: ظننت أنه يداعبه، ويحلف.
وقال أيضا فيمن سئل عند موته: هل لأحد عندك شيء؟ قال: لي (1)، قيل له: ولامرأتك؟ قال: لا. والمرأة تسمع لا تذكر حقها. فإنها تحلف أن حقها عليه ولا يضرها سكوتها.
وذكر فيمن أتى إلى رجل جالس في جماعة فقال: اشهدوا أن لي على هذا الجالس مع هؤلاء مائة دينار، وانصرف، إن سكوت المدعى عليه بهذا يكون كالإقرار بها. وقد ذكرنا في كتاب التفليس إذا شاهد رجل تركة رجل تقسم بين ورثته، وتقضى منها الديون التي عليه، ولم يطلب دينا فإن سكوته عن ذلك كالإقرار بسقوط دعواه عن الميت وسقوط حقه.
وكذلك الحكم في ميت ترك ولدين: أحدهما مسلم والآخر نصراني، فزعم كل واحد منهما أن أباه مات على دينه، وجهل حال الأب، لكنه صلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، والولد النصراني لا ينكر ذلك فإن هذا تسليم في كون أبيه مات مسلما.