ولو وصل الإقرار بقوله: وديعة، ثم ذكر بعد ذلك أنها زيوف وبهارج لقبل ذلك منه، بخلاف لو قيد الإقرار بكونها غصبا ثم ذكر أنها زيوف أو بهارج فإنه لا يقبل ذلك منه. واعتل ابن سحنون بأن المقر بغصب الدنانير ذكر وجها يوجبها في ذمته، بخلاف المقر بوديعة لأن الأصل براءة ذمة المودع مما أقر به، والأصل في الغصب وغيره من قرض أو بيع كون ما أقر به في الذمة، فلهذا يقبل من المقر بالوديعة ما فسر إقراره به من كون الدنانير المودعة من الدنانير الزائفة أو البهارج، ولا يقبل قوله إن فسرها رصاصا أو ستوقة. وحكى عن أبيه أنه لا فرق في هذه الأوصاف من قول المقر: إنها ستوقة أو رصاص أو زيوف أو بهارج، إلا أن يصفها بما لا ينطلق عليه اسم دراهم، مثل أن يقول: إنها رصاص محض غير مخلوط بفضة، فإن ذلك لا يقبل منه لإبطاله حقيقة الاسم الذي أقر به.
ولو كان تقييد المقر بما أقر به غير متصل بإقراره، بل بعد فترة، فزعم أن الدنانير التي أقر بها زيوفا أو بهارج أو ناقصة عن الوزن المعتاد في البلد الذي أقر به، فإن ذلك لا يقبل منه لكونه عاري الذمة، فيستصحب براءة ذمته وعروها عن المطالب فلا يثبت عليه إلا بأمر لا إشك الذيه، على حسب ما حكيناه مما
ذكره عن أبيه، ما لم يقيده (1) إقراره بما يبطل الحقيقة التي أقر بها. لكن ذكر محمد بن عبد الحكم أنه إذا أقر بدراهم وديعة ثم قال: هي مغشوشة، فإنه اختلف قول ابن القاسم: هل يقبل ذلك منه أم لا؟ ولعله أراد في القول: لم يقبل ذلك منه إن الدراهم المغشوشة لا ينطلق عليها تسمية دراهم، فيكون ذلك موافقا لما ذكرناه عن سحنون.
ولو أقر بدنانير بلد، ثم بعد ذلك نسبها إلى سكة بلد آخر، لم يقبل ذلك منه، بل يحمل إقراره بأن المقر عليه كذا وكذا، على أن المراد به سكة اليلد الذي أقر وهو به ..
ولو قال: لفلان عندي دينار في منزل. ثم مات المقر، لحمل إقراره على دينار جيد. ولو قال: له دينار في منزل لا أعرف هل هو جيد أم دنيء ولا أعرف وزنه. ثم مات، لم يتضمن إقراره إلا أقل فا ينطلق عليه تسمية دينار.
ومما يلحق بهذا النوع من دعواه تخصيص العام لو كانت للمقر أجناس الديون على رجل فقال: الدين الذي لي على فلان هو لفلان، ثم بعد ذلك إنما أردت أحد الأجناس الذي لي عليه، وله عليه دنانير ودراهم وطعام وعروض، فقال: إنما أردت الدراهم أو الطعام، فإن ذلك لا يقبل منه. وهذا إنما يحسن على قول بعض أهل الأصول:. إن العموم ظاهر قوي في الاستيعاب والشمول، فيكون المقر على هذه الطريقة قد ادعى ما يبطل ما هو الظاهر من كلامه، ومقتضى إقراره. وهذا أيضا بناء على أن الألف والسلام ها هنا تقتضي الإيعاب على ما ذكرناه فيما أمليناه في كتاب الأصول.
ولو كان من عليه الدين مقرا لرجل: أن من له الدين أقر له عنده بأن هذا الدين له أو أنه أمره بدفعه إليه، وصاحب الدين غائب، لم يثبت إقراره بما ذكر عنه من عليه الدين، فإن في جبى على دفع ذلك لهذا الذي أقر أنه له قولين:
فذهب ابن المواز وابن عبد الحكم أنه لا يجبر على ذلك، ولا يلزمه الدفع إلى من أقر له بالدين الذي عليه، لأن ذلك لا يبرئه.
وذهب محمد بن سحنون إلى أن القاضي يجبر هذا المقر على دفع هذا المال الذي عليه.
وإن كان الغائب الذي نه الدين بوثيقة وإشهاد إذا قدم فأنكر ما حكم عنه من عليه الدين فإنه يصدق ويطالب الغريم بدينه، والقول قوله فيه: إني لم أقر عندك ولم آمرك به، وكأنه رأى من عليه الدين معترفا أن الذي عليه قد استحق هذا الذي أقر له تملكه، فلا يحل له أن يمنع رجلا ملكه، لجواز أن يأتي رجل آخر فيظلمه ويغرمه مئل ذلك.
والجواب عن السؤال الثامن عشر أن يقال:
أما المجاوبة بنعم، فهو صريح في الإقرار، قال الله تعالى: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم﴾ (1). وكذلك المجاوبة ببلى، قال الله تعالبى. ﴿ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير﴾ (2)، وقال تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ (3). ولكنها تستعمل في إنكار البقاء (4) فيكون إنكار البقاء (4) إثباتا، ولهذا قال بعض النحاة: لو كان جوابهم لله سبحانه لما قال لهم: ألست بربكم، فقالوا: نعم، لكان ذلك كفرا، وكأنهم صدقوا بقولهم "نعم" أنه ليس بربهم.