تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الشافعي ومن تعلق معه فإنه يتعلق بعموم نهيه عليه السلام عن ربح ما لم يضمن بعد (1) سائر أجناس المبيعات.

وكذلك يتعلق أبو حنيفة بعموم هذا الحديث، ولكنه خص العقار وما لا ينقل بوجه من النظر سنذكره إذا خضنا في طريق النظر إن شاء الله تعالى.

وأما اختلاف هذه الظواهر فإن مالكا رضي الله عنه يتأول النهي عن ربح ما لم يضمن على أن المراد به بيع ما ليس عندك فيجعل هذا الحديث مطابقا للآخر. وكذلك ذكر ابن المواز.

ومن ساوم إنسانا في سلعة وذهب بها فباعها بأكثر مما ساومه أن ذلك لا يجوز إذا لم يعلم صاحبها بذلك وهو من ربح ما لم يضمن.

وكذلك لو اشترى سلعة بالخيار فباعها بربح قبل أن يختار، فإن الربح لربها لأنه يتحرك في سلك ما لم يضمن. هذا اعتذار أهل المذهب عما تعلق به الشافعي.

وأما اعتذار أصحاب الشافعي عما تعلق به أهل المذهب من النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى، فإنهم لا يسلم أكثرهم (دون هذا الخطاب دليل) (2) لكونه إنما علق الحكم فيه باسم، ودليل الخطاب، عند تبنيه، إنما يتضح في

تعليقه بالأوصاف والشروط والعدد، وأما تعليقه بالاسم فإن أكثر مثبتيه ينكرونه، لكن الدقاق من أصحاب الشافعي قال به. وأضيف أيضا هذا المذهب إلى مالك رضي الله عنه. فإن قلنا بإنكاره إذا علق بالأسماء لم يكن اعتذار عنه، وإن الأسماء إذا علقت بها الأحكام كان ما عدا الأسماء بخلافها ها هنا (1) ويصل الخطاب مع عموم قول الراوي "نهى عن ربح ما لم يضمن" فينظر في الذي تقدم منهما. هذا إن سلم أن القصد به ها هنا نفي الحكم عما عداه. وإن لم يسلم ذلك، وقيل: إن الدليل إنما يستعمل إذا لم يكن الخطاب خرج مخرج التنبيه قدم تنبيه الخطاب ومفهومه على دليله، ألا ترى قوله سبحانه ﴿فلا تقل لهما أف﴾ (2) دليل هذا الخطاب يقتضي أن يقال لهما ما فيه سب لهما أولى وأحرى.

وموضع التنبيه في هذا الخطاب أن الطعام تمس الحاجة إليه، وإلى المبادرة لنفعه، وابتياعه للقوت به، وحفظ الحياة بأكله، ما لم تمس الحاجة إلى المبادرة إلى شرائه منه وبيعه له، كان نهيه عن بيع ما سواه من السلع قبل أن يقبضها أولى وأحق.

هذا طريق الكلام على اختلاف ظواهر هذه الأحاديث. وأما الكلام عليها من جهة الاعتبار فإن أصحابنا يقولون: لما جاز التصرف في الأثمان قبل قبضها جاز ذلك في المثمونات. وإذا جاز بيع ما لم يقبض مما وهب أو تصدق به أو ورث فكذلك يجوز بيع ما اشتري قبل أن يقبض، (فكذلك يجوز التصرف فيه بالبيع) (3).

وأما أصحاب الشافعي فإنهم يجيبون عن هذا بأن المذهب عندهم على قولين في بيع ما في الذمة من ثمن سلعة باعوها. فإن قيل بالمنع فلا تعلق به،

وإن قيل بالجواز فالفرق أن الأثمان في الذمم ملكها قد استقر ولا يحسن بطلان الملك، فلهذا جاز البيع قبل القبض. وأيضا فإن المالكية تمنع بيع الطعام قبل قبضه (إذا كان دنانير أو دراهم أو ما يجوز بيعه قبل قبضه. وأما العين فإن منهم

منع منه قبل القبض. والمشهور عندهم جوازه لكون العين له حرمة) (1) ألا ترى أن الشريك يقوم عليه بنصيب (2) شريكه إذا أعتقه، ولا يقوم عليه نصيبه إذا لم يعتق بل باعه. وأيضا فإن بإعتاق العبد سقط الملك عنه وسقط الضمان فلم يكن للمنع وجه.

وأما الهبة والصدقة والميراث فإنما جاز البيع في ذلك قبل القبض لأن ذلك في ضمان الوارث بنفس الوراثة، وكذلك في ضمان الموهوب له بنفس الهبة. ويتعلقون من جهة الاعتبار في صحة ما (3) لأنه إذا باع ما لم يقبضه فقد باع ما لا يقدر على تسليمه حين العقد. وأيضا فإن الملك في المشتري الذي لم يقبض منك ناقص لكونه معرضا للبطلان فهو غرر، والغرر في عقود البياعات نهى الشرع عنه؛ ولأنه (4). هذا بالاستحسان فإنه يجوز، وإذا وقع الاستحقاق بطل البيع وسقط الملك، ثم مع هذا لا يمنع تجويز الاستحقاق من صحة البيع بإجماع؛ لأن هذا وإن كان فيه غرر فهو غرر لا قدرة على دفعه على حال إلا بمنع البيع أصلا، وهذا فيه ضرر بالناس فعفي عنه. وأما (5) الصالح السلع قبل قبضها فإنه غرر ويقدر على رفعه بأن ينهى المشتري عن البيع حتى يقبض السلعة؛ ولا يكون في عقده تعرض للبطلان على حال. وهذا الذي قالوه إنمانظر الجواب عندي بأن يقال: اختلف المذهب هل ينتقل الضمان إلى المشتري في غير ما فيه حق توفية بنفس العقد أو لا ينتقل حتى يذهب زمان يمكن فيه التسليم؛ فإن قلنا: إن الضمان ينتقل للمشتري من نفس العقد لم يصح لهم ما تعلقوا به من كون البائع غرضه البطلان بجواز هذه السلعة المبيعة. وإن قلنا: إنه لا يضمنه المشتري إلا بالقبض أو التمكين، وأن طرو الهلاك في ضياع السلع

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٩