تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هذا الأسلوب بيع الذهب والفضة جزافا. فأما ما كان منها تبرا أو مصوغا فإن بيعه عندنا جزافا غير ممنوع، ولو كان العلي محش وا لم يمنع ذلك من بيعه جزافا إذا اختبر مقدار الحشو من الساتر من ذهب أو فضة، بأن يعلم غلظ هذا الساتر من الذهب أو الفضة فيمكن حزره. وإذا لم يعلم مقدار غلظه من رقته لم يمكنه أن يحزر وزنه حزرا موثوقا به. وأما إن كان الذهب أو الفضة مسكوكين دنانير أو دراهم، فإنه في المدونة لم يجز بيع ذلك جزافا. واختلف البغداديون في هذا المنع هل هو منع كراهة أو منع تحريم؟ فقال ابن القصار: إنه منع كراهة. وأشار إلى هذا محمد بن عبد الحكم في قوله: لم أر أحدا من أصحابنا يجترىء على فسخ بيع الدنانير والدراهم جزافا. وذهب أبو بكر الأبهري وأبو محمد عبد الوهاب إلى حمل هذا المنع على التحريم. فمقتضى مذهب ابن القصار لا يفسخ البيع لكونه مكروها لا محرما. ومقتضى قول الأبهري وأبي محمد عبد الوهاب الفسخ، إذا لم يراعيا الخلاف في هذا.

واختلف أيضا في تعليل منع هذا، فأشار محمد بن مسلمة إلى أن الجزاف إنما جاز لكون الغلط فيه إنما يقع بيسير محتقر يزيد ذلك على حزر الحازر العارف أو ينقص. واليسير من الذهب والفضة له مقدار، وتشح النفوس عليه ما لا تشح على اليسير من غيره .. فلهذا منع بيع الدنانير والدراهم جزافا. وهذا الذي قاله، وإن كان يستمر على القاعدة التي قدمناها في اعتبار كون الغرر مقصودا أو غير مقصود، فإنه ينتقض على أصل المذهب لإجازة أهل المذهب بيع التبر والذهب والفضة المصوغين جزافا. ويتصور من نفاسة مقدار الغلط فيها ما يتصور في الذهب والفضة المسكوكين وكذلك اللؤلؤ يتصور من نفاسة الغلط بقليله ما يتصور في الدنانير والدراهم المسكوكين.

وهذا في لؤلؤ تتساوى آحاده، والقصد فيه مبلغه لا الاطلاع على كل واحدة على حيالها، فإن بيع ذلك لا يجوز عندي جزافا، وهو كبيع الرقيق والخيل.

وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب ها هنا المنع من بيع الجوهر جزافا

ولم يفصل بين كبيرها وصغيرها. والمرجع في هذا إلى العادة فيما المقصود آحاده، أو المقصود مبلغه.

وعلل المنع من هذا الشيخ أبو بكر الأبهري والقاضي أبو محمد عبد الوهاب بأن الدنانير والدراهم ما خف منهما أنفق مما ثقل. فصار الغرر فيها إذا بيعت جزافا من وجهين: الجهل بمقدار الخفيف منها من الثقيل، والجهل بالمبلغ. والغرر إذا صار من جهتين صار مقصودا.

والقمح واللحم إنما المقصود فيهما العلم بمبلغ قيل القمح ووزن اللحم،

فصار الغرر من جهة واحدة فخف وأجيز.

والحق أن هذا التعليل الذي وقع للأبهري إنما ذكره في بيع الدنانير والدراهم المعدودة. هكذا قال محمد بن عبد الحكم في المختصر. ولما شرح الأبهري كلامه في هذا أشار إلى ما قلناه من التعليل. وهكذا في الموطأ قال مالك رضي الله عنه: لا تباع الدنانير والدراهم المعدودة جزافا، والعدول إلى الجزاف فيها غرر (1). فقيد المنع يكون الدنانير والدراهم معدودة، كما ذكر ابن عبد الحكم في المختصر. وقد كنا نحن قدمنا ما وقع لمالك رضي الله عنه في الموطأ من بيع المعدود جزافا ونقلنا فيما تقدم كلامه في هذا، وتأولناه بأن المراد به ما كان من المعدود يقصد منه إلى الاطلاع على عين آحاده دون ما كان يقصد منه الاطلاع على المبلغ خاصة. وذكرنا أنه إن ترك قول مالك هذا على ظاهره عموما في كل معدود، فإنما ذلك لكون المكيل والموزون قد يتعذر عن بيعهما وجود المكيال والميزان" والعدد لا يتعذر لأنه علم لا يفارق المتعاقدين ولا يستعينان فيه بآلة كالمكيال والميزان.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: الجزاف يجوز العقد عليه سواء كان المبيع موضوعا على الأرض أو

موضوعا في ظرف. فالقمح والتمر يجوز العقد عليهما (1) وإن كانت الصبرة المصبرة من كل واحد منهما موضوعة على الأرض يحيط البصر بجميع جوانبها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦