وأما إن كرر ذلك بحرف العطف فقال: له عندي كذا وكذا درهم. فإنه حكي عن الشافعي ما ظاهره أنه اختلف قوله، فقال مرة: يلزمه درهمان وقال مرة: يلزمه درهم واحد. فمن أصحابنا من سلم أنه اختلف قوله في ذلك، ومنهم من لم يسلم ذلك، وتأول عليه أنه إنما قال بإلزام درهمين إذا أعرب بالنصب، فقال: كذا وكذا درهما؛ لأنه لا يحسن التأكيد مع دخول حرف العطف، وإنما يقع التأكيد مع عدم حرف العطف فإذا قال: كذا كذا، بغير واو، حسن أن تكون "كذا" الثانية مؤكدة ل"كذا" الأولى كما بيناه. فإذا دخل حرف العطف فقال: كذا وكذا، ارتفع حكم التأكيد، وحمل قوله "كذا" على درهم، وقوله بعد ذلك: وكذا، على درهم آخر. فأما إن رفع الدرهم، فإنما يلزمه درهم واحد، لأنه كالقائل: له عندي كذا وكذا، وهو درهم، فأخبر عن نفسه أن مراده ب "كذا وكذا" درهم واحد؛ لأنه يجوز أن يكون أراد بقوله أولا "كذا" نصف درهم، وقوله بعد ذلك ب"كذا" نصف درهم فأخبر عن الجميع فقال: وهو درهم، وإذا احتمل ذلك لم يقض عليه بأكثر منه. ومنهم من صرف اختلاف قول الشافعي إلى اختلاف حالين، لا اختلاف إعرابين، فقال: إذا لم يكن للمقر نية صرف ذلك إلى درهمين لأنه مقتضى ظاهر الإعراب، على حسب ما بيناه، فإن زعم أنه أراد درهما واحدا صدق في ذلك لأنه لم يخالف نصا، وإنما خالف ظاهرا محتملا. ومذهبنا نحن ومذهب أبي حنيفة إلزامه في قوله: كذا وكذا درهما، أحد وعشرون (1) درهما، لأن ذلك أول عدد مركب يعطف فيه
الثاني على الأول، فقال: أحد وعشرون (1) دينارا، وما زاد على ذلك، وإن كان يقال، فإنه مشكوك فلا تعمر الذمم بالشك.
وذكر عن أبي يوسف أنه ألزمه في هذا أحد عشر درهما، وعن محمد بن الحسن أنه ألزمه، في أحد قوليه في هذا، عشرون درهما.
وهذه المذاهب لا تسند إلى أصل، وإنما تسند إلى ما بينا ما حده من جهة الآحاد أو من جهة الاعتياد.
والجواب عن السؤال السادس عشر أن يقال:
إذا ذكر عددا مشتملا على جنسين ولم ينسب بعضها إلى بعض مثل أن يقول: لزيد عندي مائة دينار ودراهم، أو مائة ذهب وفضة أو مائة قمح وشعير، إلى غير ذلك مما اختلف أجناسه وأنواعه، فإن مذهبنا قبول قول المقر في تقدير كل جنس من هذا العدد، فيصدق إن قال: الدراهم تسعون والدنانير. عشرة. وكذلك إن قال: القمح عشرة أقفزة والشعير تسعون قفيزا.
وذهب أهل العراق إلى أنه يقضى عليه بالتسوية بين الجنسين، فتكون الدنانير خمسين والدراهم خمسين. وكذلك. يكون القمح خمسين قفيزا والشعير خمسين قفيزا. ورأى (1) أن هذا مقتضى هذه العبارة، وأن عطف أحد الجنسين على الآخر يوجب الشريك (2) في المساؤاة في المقدار، وفروا (3) على هذا الأصل حتى محوا (4) عقود النكاحات والبياعات، وإن أطلق بهذا اللفظ مثل أن يقول: تزوجتك بمائة قفيز قمح أو (4) شعير أو مائة ذهب أو (4) فضة، أو يعتك هذا العبد بمائة قفيز قمحا أوشعيرا، فإن النكاح والبيع ينعقدان على الصحة، وإن لم يبين حين العقد مقدار كل واحد من الجنسين.
ومذهبنا نحن أن هذا لا يوجب التشريك في المساواة في المقدار. وإنما يوجحت التشريك في المساواة في الإعراب، فيرجع إلى تفسير المقر ويصدق في بيان ما أراد. ولو وقع بهذا عقد نكاح أو بيع لكانا فاسدين فسخا لكون مقدار كل جنس لا يعرف من هذه العبارة فصار العقد وقع بثمن مجهول.
لكن ابن المواز أشار إلى سلوك طريقة أهل العراق إذا مات المقر ولم يبين، فقال في مريض أوصى بأن لفلان مائة ذهب وفضة. فإنه يجبر على أن يبين المقادير، فإذا مات قبل أن يبين كان القول قول ورثته، كما كان القول قوله.
وإن لم يعلموا المقدار الذي أراد الموصي، وعلم ذلك المقر له قبلت دعواه من غير يمين عليه، إذ لا أحد يدافع دعواه بيقين. وإن لم يعلم ذلك لا من جهة الورثة ولا من جهة المقر له حمل ذلك على التسوية، وقضي للمقر له في مال اليتيم (1) بخمسين ذهبا وبخمسين فضة.