ولما رأى بعض أصحاب الشافعي احتجوا على مذهبهم في إلغاء حكم الإعرأب وإلزام الناطق بكذا درهما واحدا، فقال: لا خلاف بيننا وبينهم. يشير إلى من خالف الشافعي، بأنه إذا قال: له كذا درهم، أنه لا يلزمه مائة درهم،
وكان مقتضى الإعراب إلزامه مائة درهم؛ لأن النطق ب"درهم" بالخفض، تفسير لعدد كنى عنه أقل (1) مائة درهم، وما قصر عن المائة درهم إنما ينطق به بالنصب، فيقال: تسعون درهما وثمانون درهما. ولما أشار ابن القصار إلى مافعة (2) هذا الحجاج فإنه لا يسلم حمل هذا اللفظ على مائة درهم لاحتمال أن تكون عبارة عن بعض درهم، فقال: إن بعض النحاة قال لي: إن هذا اللفظ يحمل على مائة درهم. هكذا حكى عن بعض النحاة، وأهل اللغة. ولكنه أشار إلى أنه لا يسلم ذلك. وذكر الطحاوي أيضا عن بعض العلماء أنه يحمل ذلك على مائة درهم.
هكذا مقتضى حكم إعراب الدرهم بالنصب والخفض.
وأما لو قاله بالرفع فإني لا أعرف أنا فيه نصا، ويمكن أن يكون يحمل على درهم واحد، ويكون خبرا عن مراده بكذا، فكأنه قال: له عندي كذا وهو درهم. فيكون الرفع إخبارا عن (3) المقر عن مراده بقوله "كذا".
وقد ذكر سيبويه في كتابه أصل هذه المسألة فقال: إنها من الألفاظ المبهمة، والكناية عن العدد كقولهم: قال: كيت وكيت (4)، كناية عن الحديث، وكذلك ذيت وذيت (1).
وذكر عن الخليل أن "كذا" يحل محل القول كالعدد وذكر بعض أئمة النحاة أن الكاف ها هنا للتشبيه واللى إلا فاصلة بينها وبين الجنس المذكور بعدها، فينتصب ذلك على التمييز في قولهم: كذا وكذا درهما، كقوله: أحد وعشرين درهما. وإن "كذا" لما يدل بمجرده على عدد، وإنما يدل عليه الجنس الذي يبين، واختلاف إعرابه أوجب اختلاف العدد على ما ذكرناه وما سنذكره.
فقال: إذا أعرب بالرفع، فقال: له عندي كذا وكذا درهم، فإن اللازم فيه درهم واحد، لكونه لا يدل على عدد معلوم، فاقتصر على دلالة النطق بدرهم، وهو اسم مفرد فلا يلزم المقر أكثر منه. ولو نصب لزمه أقل عدد ينصب بعده الدرهم المفرد، وذلك، على ما قلنا نحن، عشرون درهما. هذا إذا أفرد هذا اللفظ فقال: كذا، مرة واحدة.
وأما إن كرره فقال: له عندي كذا وكذا، فهو محمول، عندنا وعند أبي حنيفة، على أحد عشر درهما، لأن أول عدد منصوب في المركبات من الأعداد هو أحد عشر درهما، فلا يقضى إلا بما أفاده الإعراب يقينا، وما زاد عليه مما يشك فيه، لم يقض به على هذا المقر.
ولم يختلف قول الشافعي في هذا أنه يلزمه درهم واحد.
فأما نحن فبينا وجه قولنا وقول أبي حنيفة، وصرفنا ما يستفاد من ذلك إلى مقتضى النطق باللسان العربي، قال تعالى: ﴿أنزلناه حكما عربيا﴾ (1) وأضاث الأحكام إلى لسان العرب.
فأفا الشافعي يعتمد (2) على أن مجرد القول: له عندي كذا، لا يفيد جنسا ولا عددا معلوما أكثر من واحد، فعلى المقر بيان جنس هذا الواحد لا أكثر.
فإذا ثبت أن مجرد القول "كذا" إنما يفيد واحدا، وتفسيره بالدرهم يفيد بيان جنس هذا الواحد لا أكثر من ذلك، ولم يفد زيادة عدد ولا يقضى (3) منه، صارت لفظة "كذا" إنما تفيد واحدا، ولفظة الدرهم إنما تفيد بيان جنس هذا
الواحد. فإذا كرر "كذا" مرتين، وكانت الأولى منهما إنما تفيد واحدا، فالثانية كذلك، وتكون مؤكدة لها. وإذا صلحت أن تكون مؤكدة للواحدة، لم يقض عليه بزائد على ذلك بالشك والاحتمال، والعرف يؤكد الشيء بلفظه فتقول:
جاء زيد زيد، وتقول: الطريق الطريق، احذر احذر، إلى غير ذلك مما اشتهر في لسانهم. فهذا معتمد الشافعية في هذه المسألة. وقد صار بعضهم وهو أبو إسحاق إلى اتباع مذهبهم في هذا، وهو إلزام المقر درهما واحدا إذا كانت المقر عاميا لا يعرف مقتضى الإعراب، فإن كان غير عامي عدل عن مذهبهم وألزم المقر ما قلناه أحد عشر درهما. ولم يذهب إلى هذا التفصيل سواه.