قال ابن المواز: لكن الاستحسان عندي أن يحلف أنه ما وقف على اليمين عليها إلا لشكه، لم نغرمه العشرة الزائدة على الخمسين.
وعارضه الشيخ أبو إسحاق على هذا الذي ذهب إليه، وقال: إذا كان لا بد له من غرامة هذه العشرة الزائدة على الخمسين فما فائدة تحليفه على أنه إنما وقف عنها لكونه شاكا؟
وهذا الذي اعترض به اعتراض صحيح إذ اليمين إنما تجب إذا كانت
طالبها (1) مفيدة وللمطلوب بها مدافعة عنه حقا. وهذا إذا كان لا بد ميط الغرامة واليمين لا يفيد في هذه الغرامة فلا معنى لها.
ولكن إن بنينا هذه المسألة على أحد القولين في أن المقر له إذا أيقن بهذه العشره أنه يستحقها، وتمادى المقر على شكه، أن المقر له لا يأخذها إلا بيمينه، أفادت هذه اليمين التي استحبها ابن المواز لكون المقر له يتهم المقر في إظهار الشك نطقا بلسانه، وكونه في باطنه غير شاك، بل يعرف ثبوت هذه العشرة عليه، فيقول: المقر له فائدة في استحلافه على كونه شاكا وأنه وقف عن ذلك لأجل شكه لأنه متى صرح بالإقرار أخذت هذه العشرة من غير يمين أحلفها، وإذا صرح بالإنكار طلبته باليمين.
لكن قد يقال في هذا: إذا صرح بالإنكار فلزمته اليمين، فله ردها عليه، فإن لم يحلف لم يستحق شيئا، فلم يتحقق لك في يمينه على شكه فائدة واضحة، إلا أن يقال: قد لا يختار التصريح فزد اليمين عليه، بخلاف يمين تجب عليه من غير أن يكون له ردها عليه. فهذا مما ينظر فيه. وقد أشار الشيخ أبو إسحاق إلى ظاهر الموازية كون الشك في مثل هذا على قول هل يسقط المشكوك فيه ولا يجب إلا المتيقن لكون براءة الذمة هي الأصل، أو يقسم المشكوك فيه نصفين فتقسم هذه العشرة الزائدة على الخمسين، نصفين إذا شكا جميعا: المقر والمقر له.
وقد أفادت هذه المسألة أيضا كون ابن المواز يذهب إلى أن ما بعد حرف الغاية داخل فيها لقوله: نغرمه الستين كلها.
والجواب عن السؤال الخاص عشر أن يقال:
إذا أقر بعدد لم يصرح به ولكنه كنى حسنه، فلا يخلو من أن يكون قرنه بتفسيره، أو لم يقرنه يتفسيره.
فإن لم يقرنه بتفسيره رجع في تفسيره إليه. فإذا قال: له عندي كذا، فهو كقوله: له عندي شيء، أو: له عندي واحد، فيقال له بتن ما الذي له عندك مما ينطلق عليه اسم شيء، أو اسم واحد. فيقبل ذلك منه. فإذا قال: له عندي كذا، فسره بثوب واحد، قبل ذلك منه.
وإن قال: له عندي كذا، ولم يكرر هذا اللفظ، أو كرره مرة، أو مرتين وهو في تكريره مكرر له بحرف عطف أو بغير حرف عطف، فإن ظاهر ما نص عليه محمد بن عبد الحكم من أصحابنا، وغيره من البغداديين المالكيه، استفادة المراد بهذه الكناية من إعراب ما وقع بعدها من التفسير. فإذا قال: له عندي كذا دراهم، قضي عليه بأقل الجمع وهي ثلاثة دراهم، على ما تقدم بيانه قبل هذا.
وإن كان قال: كذا درهما، فظاهر مقتضى الإعراب إلزامه عشرين درهما لأن العشرة وما انخفض عنها إلى أقل الجمع لا يقال فيه "درهم" وإنما يقال فيه "دراهم"، وكذلك تسعة دراهم، وثمانية دزاهم، إلى ثلاثة دراهم. وما زاد على العشرة فهو عدد مركب من قولك: أحد عشر إلى تسعة عشر فينتصب ما بعدها من التفسير كما قاله النحاة، فإذا بلغت إلى عشرين قلت: عشرين درهما، وقضيته. فصار مقتضى الإعراب في دوله له عندي كذا درهما، إلزامه عشرين درهمأوذلك أقل ما ينتصب عليه قوله: درهما، موحد الأعداد الغير مركبة.
وإن قال: له كذا درهم، بالخفض، فقد قال ابن القصار: لا إعراب فيه نصا، وذكر أنه يحتمل أن يراد بهذا اللفظ "درهما" لأنه إذا ذكر الدرهم موحدا باللفظ فإنما يطلق على: "جزء من درهم" و"ربع درهم"، فإذا كان هذا الجزء أقل ما ينطلق ما فسر بهذا الإعراب لم يجب أن يتحرى فيه أقل ما ينطلق عليه. إلى هذا أشار ابن القصار.