تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دنانير كلها؛ لأن ابن سحنون أجرى اختلاف قول أبيه، فيما حكيناه عنه، في قول المقر: له عندي من درهم إلى عشرة، إنه يلزمه التسعة، واختلف قوله في الدرهم العاشر، فيمن (1) قال: له عندي مائتا كر حنطة إلى كر شعير، إن الحنطة تلزمه من غير خلاف، وأما الشعير الذي جعله غاية فإنه يلزمه جميعه على أحد قولي سحنون، وعلى القول الآخر يلزمه كر (2) القمح ويحط من كر الشعير قفيز شعير، وهذه منه إشارة إلى أنه وإن اختلف النوع فلا بد أن يسقط مما ذكر بعد حرف الغاية شيئا حتى يجري على الأصل مقتضى حرف الغاية أن ما بعدها لا يدخل فيه، وكان (3) الكر: له أجزاء يحط منها جزءا واحدا وهو قفيز. وهكذا ذكر عن أبي حنيفة فيمن قال: له عندي مائتا كر حنطة وكر شعير، أنه يلزمه كل الحنطة والشعير، لكنه يحط من الشعير مقدار ما ذكرناه وهو قفيز.

وقال محمد بن عبد الحكم: إنما يجب أن يقضى عليه بفضل ما بين كر الحنطة وكر الشعير.

وهذا الذي قاله هو مقتضى اللفظ في حكم اللغة، وهو الذي ذكره من التفريع في هذه المسألة ظاهر المذهب عنده أنه بني قول الإنسان: لزيد عندي مائتا درهم إلا (4) عشرة دراهم وبين قوله: عندي من درهم إلى عشرة دراهم، إلى (5) حكم الغايتين حكم واحد يثبت الدرهم ويختلف في الدرهم العاشر المذكور بعد حرف الغاية. لكن ظاهر مذهب الشافعية التفريق بين العبارتين إذا قال: له عندي مائتا درهم إلى عشرة فإنما تلزمه ثمانية دراهم وهو جملة ما بين المبدأ والمنتهى. وإذا قال: له عندي من درهم إلى عشرة، قالوا: فيه قولان: أحدهما أنه تلزمه ثمانية، مثل ما قالوا في العبارة الأولى.

والقول الثاني، عندهم، وهو الصحيح في مذهبهم: إلزامه تسعة دراهم، كأحد قولي سحنون عندنا. ومذهب (1) أبي حنيفة. فلم يختلف القول عندهم في مذهبهم في هذه المسألة أن ما بعد حرف الغاية وهو الدرهم العاشر. وإنما اختلف القول عندهم في ما بعد حرف ابتداء الغاية وهو الدرهم الأول فيثبت أو يسقط، فأما الدرهم العاشر فإنما حكوا القول بإلزامه عند محمد بن الحسن.

والذي حكوا عن ابن الحسن هو أحد قولي سحنون عندنا كما ذكرناه.

واعلم أن المذهب عندنا في هذا الأصل على مسلكين:

أحدهما صرف هذا اللفظ إلى يقين القائل بما ذكره لا إلى الشك فيما قاله، فيجري الأمر فيه على هذه الطريقة كما بيناه.

والمسلك الثاني صرف ذلك إلى أن القائل أشعر تشككه فيما قال، وهو مذهب محمد بن عبد الحكم ومحمد بن المواز.

قال محمد بن عبد الحكم قال: لو قال قائل: في هذا الشيء من رطل إلى رطل ونصف، لكان الرطل متيقنأونصف الرطل مشكوكا فيه. وقد قال النبي عليه السلام في مخرجه إلى بدر: "القوم ما بين سبع مائة إلى ثمان مائة" (2).

وهكذا قال ابن المواز فيمن قال: لفلان عندى (مائتي عشرة دراهم إلا عشوين درهما) (3): إن هذا المقر إن رجع عن شكه وأيقن بسقوط العشرة الثانية قبل ذلك منه، ولم يلزمه إلا العشرة الأولى، ولكنه يحلف إن ادعى المقر له تحقيق استحقاقه عليه عشوين دينارا (4)، وأقا إن كان المقر له لا يحقق ماله عنده، وإنما يطلب بمقتضى إقراره، فإنه لا يمين على المقر إذا قال: تيقنت ما

كنت شاكا فيه، وتحققت سقوط العشرة. فلو تمادى على شكه في العشرة الثانية وتيقن المقر له بكونه يستحقها عليه لأخذها، على اختلاف في يمينه.

ومذهب ابن المواز ألا يمين عليه كما قدمناه عنه فيما سلف. فإذا ثبت أن مذهب هذين الرجلين من أصحابنا حمل هذه العبارة على الشك من المقر فيجري الأمر فيها على ما قدمنا بسطه من كون المقر له إذا كان موقنا أخذ بيمين أو بغير يمين على الخلاف، هل يسقط الشك ولا يكون له حكم، إذ لا تعمر الذمم بالشك وتقسم بأن المقر والمقر له لتساويهما في هذا بين كون هذا ثابتا أو ساقطا. وقد ذكر ابن المواز فيمق قال: فلان سلفني ما بين خمسين دينارا (1)، أن هذا المقر إن زعم أن شكه ارتفع، وتحقق. أنه ليس له قبله أكثر من خمسين دينار ان ذلك يقبل منه ولا يمين عليه، إلا أن يحقق عليه الدعوى المقر له في هذه الزيادة على الخمسين فيحلف له، وإن تمادى على شكه وأيقن بثبوتها المقر له أخذها من غير يمين. قال: وإن امتنع هذا المقر من الإقرار بهذه العشرة الزائدة والتصريح بالإنكار لها فإني أجبره على الإقرار أو الإنكار، قال: وقال لي عبد الملك: إنه يحبس حتى يقر أو ينكر. قال: وهذا صواب لأن مالكا قال هذا: فيمن ادعي عليه شيء ولم يقر ولم ينكر.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٩٤