وهذا الذي يعول عليه أصحاب هذا المذهب من أصحاب أبي حنيفة استدلال لا يتضح تعلقه بما نحن فيه، بل تجد العرب تعطف الشيء على مثله وعلى خلافه، فتقول رأيت زيدا ومحمدا من غير الهتفات في هذا العطف إلى ما يقدر أو لا يقدر.
ولكن أضطرب أصحاب الشافعي في فرع من فروع هذا الباب وهو إذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، أو ألف وخمسون درهما. هل يقبل قوله في تصير الألف في هذه المسألة، أو تكون هذه المسألة بخلاف ما تقدم، ولا يقبل
تفسيره لما أجمل من العدد، لكونه أراد ما بعد حرف العطف بل سقط عليه إذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، لكون الألف دراهم أيضا. وكذلك إذا قال: ألف وخمسون درهما تكون الألف دراهم أيضا. فذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أنه يقبل تفسيره لما أجمل، ورأى ألا فرق بين قوله: ألف ودرهم، وبين قوله: له ألف وثلاثة دراهم أو ألف وخمسون درهما. ورأى أبو إسحاق وغيره من أصحاب الشافعي، وهو المشهور من مذهب الشافعية، أن هذه المسألة بخلاف ما ذكرناه من أخواتها لأنه إذا قال: له ألف درهم فقد ذكر بعد حرف العطف وهو الواو لفظة أفادت زيادة على العدد المتقدم، فكان ذلك هو المراد بها وقصرها على هذه الإفادة خاصة.
وإذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، كانت الألف والثلاثة من قبيل المجمل في سائر الإجمال (1) وقوله "دراهم" (2) وقوله "درهم" لفظ فيه بيان الجنس، ولكنه ما أفاد زيادة في العدد، فتصرف إفادته إلى أنه أراد بيان جنس ما تقدم من الجملتين اللتين هما الألف والثلاثة أو الألف وخمسون. وأيضا فإن الإعراب يختلف فيهما: فإذا قال: له عندي ألف درهم ودرهم، بالرفع، فبالرفع فكذلك (3) معطوف على قوله (4):. وإذا كان معطوفا عليه حتى استحق إعرابه، لم يستحق بيان الجنس. وإذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، فذكر الدراهم ها هنا ليس معطوفا على إعراب الألف التي في مجملة فكانت تفسيرا لها.
وذكر ابن القصار من أصحابنا هذه المسألة وكأنه تردد بين المذهبين: مذهب الاصطخري الذي حكيناه، ومذهب أبي إسحاق وكأنه مال إلى مذهب أبي إسحاق.
والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال:
إذا قال رجل: لزيد عندي من مائة درهم إلى عشرة دراهم، أو من درهم إلى مائة درهم، فبدأ بأقل العدد فجعل الغاية أكثر منه، أو عكس ذلك فقال: له عندي من عشرة دراهم إلى درهم واحد، فإنه لم يختلف المذهب عندنا، فيما علمت، في أن حرف ابتداء الغاية يقتضي دخول البداية في النهاية، فالدرهم الأول، في قوله: له عندي من درهم إلى عشرة دراهم، داخل في الإقرار ولازم للمقر، كما يلزم الدرهم الثاني والثالث إلى التاسع.
وإنما اختلف المذهب إلزامه ما بعد حرف الغاية وهو الدرهم العاشر، فاختلف في ذلك قول سحنون رضي الله عنه، فقال بإسقاطه، في أحد قوليه، ولم يلزم المقر إلا تسعة دراهم، وهو مذهب أبي حنيفة. وقال مرة أخرى بل يلزم المقر الدرهم العاشر فيقضي عليه بعشرة دراهم كلها. وجعل ما بعد الغاية داخلا في الجملة، كما جعل أهل المذهب الدرهم المذكور بعد حرف ابتداء الغاية لازما داخلا في الجملة. وهذا (1) إذا قال: له عندي من عشرة دراهم إلى درهم، يلزمه الدرهم العاشر إلى بقية الجملة ويختلف في الدرهم الذي جعله غاية: هل يدخل في الإقرار فتلزمه العشرة دراهم أو لا يدخل في الإقرار فتلزمه تسعة دراهم؟
وكذلك لو اختلف نوع ما بدأ به المقر وما جعله غاية، مثل أن يقول: له عندي من درهم إلى دينار، ينبغي أن يجري على ما أصلناه لك من هذا الاختلاف. ومقتضاه أن يلزمه الدرهم ويختلف في الدينار.
وإلى هذا أشار محمد بن عبد الحكم في رده على أبي حنيفة، فقال: إنه يقول: إذا قال: له عندي من عشرة دراهم إلى عشرة دنانير، إنه تلزمه العشرة دراهم وتسعة دنانير، فقال ابن عبد الحكم: هذه مناقضة، والإشارة إلى أنه إذا كان مذهبه أن ما بعد حرف الغاية غير داخل في الإقرار فإنه ساقط، فكذلك يجب أن تسقط العشرة