تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذهب إليه أحمد بن ميسر فقال: إذا قال: له عندي عشرة إلا شيئا، قبل منه ما يدعيه أنه أراد من مقدار ما استثناه.

وذكر عبد الملك في هذه المسألة معنى أشرنا إليه في حكم الاستثناء الذي

قدمناه، وقال: قوله: إلا شيئا، يصرف إلى لحسن (1) في الكلام، فإذا قال: له عندي مائة إلا شيئا، أسقط من المائة تسعة، وإذا قال: ألف إلا شيئا، أسقط من الألف تسعة وتسعون. وأشار في هذا إلى أن الاستثناء إنما يحصل بالكسور كقوله تعالى: ﴿ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ (2) قال: ولا تجد أحدا يعبر عن الألف بألف إلا مائة، بل هو يقول: تسع مائة.

وذكر أيضا أنه قال: له عندي ألف وشيئا (3)، ومات قبل أن يفسر ذلك، فإن ذلك الشيء ساقط لا حكم له لجهلنا بما أراد به من الأجناس والمقادير.

وهذا أيضا توجيه الخلاف فيه على حسب ما تقدم.

وإذا قال رجل: لزيد عندي نيف وخمسون دينارا. لكان القول قوله فيما أراد بالنيف، فيقبل ما ادعاه وكثر (4) حتى لو قال: أردت بالنيف جزءا من الدينار لصدق.

وإذا قال: له عندي بضع عشرة درهما. فإن مالكا نص على أن البضع يحمل على ثلاثة دراهم، وهي أقل ما ينطلق عليه هذا الاسم، ورآه منطلقا على الثلاثة إلى التسعة.

وقد اختلف الناس وأهل اللغة في هذه التسمية فبعض أهل اللغة صار إلى ما حكيناه عن مالك، وبعضهم صار إلى أنه إنما يطلق على الواحد إلى الخمسة.

وقد ذكرنا هذا في كتابنا المترجم بالمعلم.

وهذا الذي ذكرناه في الإقرار المحتمل المتردد بين أعداد كاليضع، فإنه (5) شك المقر في مقدار البضع الذي عليه وشك المقر له في هذا المقدار أيضا، فإنه

يقضى بالأقل، ويسقط ما زاد على ذلك، لكون الأقل متيقنا، وما زاد عليه مشكوك فيه، فلم تثبت في الذمة غرامة بالشك.

والقول الآخر أنه يقسم المشكوك فيه بين المقر والمقر لهما (1) لتساويهما في الشك في ثبوته ونفيه.

ولو أيقن أحدهما وشك الآخر، لكان القول قول الموقن منهما، سواء كان المقر أو المقر له.

وأختلف في تحليف الموقن على ما ادعاه ما دام المقر حيا، فلو مات قبل أن يسأل عما أراده لم يصدق المقر له، لجواز أن يكون المقر لو بقي حيا لفسر ما أراد فيبقى الأمر على ما حكيناه من الأخذ من تركته الأقل خاصة، أو يؤخذ الأقل ويقسم ما شك فيه.

ولو وقع الإقرار (2) منهما في الأجناس لا في المقدار مثل أن يقول: لزيد علي ألف، فإن المقر يسأل عن هذا الألف: ما هي من الأجناس؟ فيقبل قوله في الجنس الذي أراد هل هو دينار أو دراهم أو طعام أو ثياب؟ لكن لو عطف على هذا الإبهام عددا للسرج (3) فيه بالجنس مثل أن يقول: له علي (4) ألف درهم، فإن هذه المسألة مما اختلف الناس فيها:

فذهب الشافعي إلى أنه يقبل قوله في بيان الجنس الذي أجمل، ولا يكون ما أجمل (5) عليه تفسيرا للعدد المجمل، سواء كان ما عطف على المجمل مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد، كالدنانير والدراهم والطعام [أ] وغير ذلك مما (6)

يوزن أو يكال أو يعد، وإلى هذا ذهب ابن القصار من أصحابنا. وذهب أبو ثور ومحمد بن عبد (1) الحسن أنه يقضى عليه فيما أجمل بجنس ما عطف عليه من المفسر، سواء كان ما بعد حرف العطف مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد أو لا يقدر.

وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كان ما بعد حرف العطف مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد فإنه يكون تفسيرا لما أجمل قبله من العدد، مثل أن يقول: له علي ألف ودرهم، أو: ألف وقفيز قمح، أو: وألف أقفزة قمح. وإن مال: ألف ورمانة، كانت الألف رمانا. بخلاف أن يقول: له عنبي ألف وثوب، أو: ألف وعبد، فإنه لا تكون الألف ثيابا ولا عبيدا، وإنما يقضى فيها بما يفسره من الأجناس. وإلى هذا ذهب سحنون، وكأنه رأى أن ما يقدر بكيل أو وزن أو عدد مما يثبت في الذمة بغير عقد معاوضة، (فإنه إذا ذكر وكان مقدر لكون ما تقدم في ذمة المقر أيضا لكونه يستقر مثله في الذمة بالاستهلاك وإن لم يكن ذلك عن معاوضة) (2). وإذا قال: ألف وثوب، لم يكن ذكر الثوب تفسيرا للألف لأن من استهلك ثوبا فإنما تلزمه قيمته، ولا تعمر ذمته بمثله، فلم يحسن أن يكون (3) ذكره تفسيرا لما تقدم من اللفظ المجمل.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٩٢