ومن سوى هؤلاء الرجلين: الشافعي وأبي بكر الأبهري رأوا أن هذا التقييد بالوصف فيه زيادة فائدة على الإطلاق. واختلفوا في تحديد هذه الزيادة: فقال محمد بن عبد الحكم: لا يقبل منه التفسير بثلاثة إلا أن يزيد عليها، فإذا زاد عليها قبل تفسيره ولم يحد هذه الزيادة.
وذهب ابن المواز إلى تحديد هذه الزيادة فقال: إذا قال: هي أربعة درأهم، قبل منه ذلك.
فكأنه رأى أن هذه الزيادة لا تكون بالكسر والجزء من الدرهم، وإنما تكون بواحد كامل، فلهذا قال: يحد ذلك بأربعة.
وذكر محمد بن عبد الحكم أنه قيل: يحذ ذلك بخمسة دراهم. وكأنه رأى ثم عددا بين الكثرة والقلة، فلو قال: له عندي دراهم لا كثيرة ولا قليلة لقضي عليه بأربعة دراهم لأن هذا العدد يرتفع عن القليل وهو ثلاثة دراهم وينحط عن الكثير وهو ما زاد على أربعة. فإذا كان سلب هذا الجمع الوصف بالقلة والكثرة يقتضي أربعة وجب أن يكون ما زاد على ذلك يوسف بالكثرة وهو خمسة.
وذكر أيضا أنه قيل: تسعة دراهم. قال: ولا وجه لقول النعمان: يحد ذلك بعشرة دراهم، ولا لقول أبي يوسف: يحد ذلك بنصاب الزكاة مائتي درهم.
وهذا الذي ذكره محمد بن عبد الحكم عن أبي يوسف من التحديد بنصاب الزكاة هو الذي ذكره ابن سحنون في كتابه وقال: يقضى عليه بنصاب الزكاة.
وذكره أيضا ابن القصار عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن واختارا ذلك.
وقال يقضى بنصاب الزكاة. وذكر أنه ما رأى لمالك. في ذلك نصا، ولا لأصحابه سوى محمد بن عبد الحكم فنقل عنه بعض ما نقلناه عنه مما ذكره في كتابه.
وتوجيه هذه المذاهب مأخوذ مما تقدم سوى من قال: يقضى بخمسة دراهم، فإنا ذكرنا ما قيل في توجيهه.
وأما مذهب أبي حنيفة، وهو التحديد بعشرة دراهم، فإنه رأى أن أهل اللسان ذكروا أن المجموع على قسمين: جموع قلة وجموع كثرة. فما تقاصر عن العشرة سموه جمع قلة، والعشرة فأكثر منها يسمى عندهم جمع كثرة.
وأما من ذهب إلى التحديد بتسعة، فإنه رأى أن القول: له عندي دراهم، يفيد أقل الجح وهو ثلاثة دراهم، فإذا قال: كثيرة، فإن (1) ذلك تضعيف الجمع الذي أشار إليه، وتضعيفه يكون بتكريره ثلاث مرات أيضا، فكأنه قال: له عندي ثلاثة مضروبة في ثلاثة، وذلك تسعة.
هذه جملة المذاهب في هذه المسألة، وهي سبعة مذاهب قد ذكرناها إلى توجيهها وفي هذا مقنع.
ومما ينخرط في هذا السلك إذا قال رجل: لزيد عندي جل مائة أو عظمها، أو أكثرها، أو نحوها، أو قريب منها. فإن هذا مما اختلف فيه المذاهب أيضا على قولين:
أحدهما أنه لا يقبل منه دعواه، بأنه قصد بهذه العبارة أقل من ثلثي المائة.
والقول الثاني: أنه يقبل منه إذا زعم أنه أراد نصف المائة وزيادة دينار واحد عليها.
وكذلك لو أقر بجل ألف دينار، لقبل منه عند هؤلاء تفسيره لذلك بأنه أراد خمس مائة وزيادة دينار واحد. وذكر ابن سحنون عن رجل من أصحابنا ناظر أباه سحنونا في المسألة، وذهب إلى أنه يقبل منه في قوله: جل المائة، ما فسر قوله به ولم يحد ذلك بحذ فيما حكاه عنه.
وهذا الاختلاف لا حد له ولا سبب سوى إسناده لما ذكرناه مرارا من النظر في المعتاد في إطلاق هذا اللقظ، فالذين قالوا: يحمل على ثلثي المائة فأكثر، قدروا أن الثلث في حيز القليل، فإذا سقط من المائة فالثلثان الباقيان هما جلها وأكثرها.
والذين قالوا: يحمل على نصف الجملة وزيادة دينار واحد عليها، اعتقدوا أن هذا المقدار من المائة يطلق عليبما اسم الجل والأكثر. وهذا بعيد في عرف الاستعمال عندنا.
وعلى هذا النوع من الاختلاف أجروا الاستثناء المجمل أيضا في هذه الجملة، وهو أن يقول: له عندي مائة دينار إلا شيئا، أو مائة دينار إلا قليلا.
فإن القولين المذكورين قبلت (1) في هذه المسألة وهي إلزامه ثلثا (2) المائة فأكثر، أو نصفها وزيادة واحد، وتصديقه فيما فسر به. هكذا ذكر ابن سحنون عن الذي ناظر أباه في المسألة.