تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول الآخرون: وقد قال تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ (5) وهذا يقتضي أن ما يستباح به فرج المرأة

وهو ربع دينار يسمى "مال". ورد هؤلاء مذهب الأبهري من أصحابنا وأبي حنيفة والشافعي في قولهم فيمن قال: لزيد عندي مال، وفسر ذلك بقيراط أو حبة: أن ذلك يقبل منه. بأن قالوا: معلوم في العادة أنه لا يطلق غني ولا فقير على القيراط أو الحبة اسم "مال" على حال من الأحوال، فلا يصح أن يقبل من المقر تفسيره بذلك، لأنه (1) بأنه أراد حبة أو قيراطا. وأما إن فسره بربع دينار فإن هذا التفسير قد يليق بعرف الفقراء من الناس، وإن بعد ذلك في عرف الأغنياء. فإذا كان صنف من الناس يطلقون قول "مال لأ على الربع من دينار لم يقض على المقر بأكثر منه، بخلاف القيراط والحبة فإن هذا لا يطلقه أحد من فقير أو غني على هذا المقدار تسمية "مال". فلو قيد هذا الإطلاق بأن قال: له عندي مال عظيم، فقد اختلف فيه أيضا: فاختار الشيخ أبو بكر الأبهري من أصحابنا أن هذا التقييد والوصف لا يؤثر، وأنه يقبل من المقر بهذا ما فسره به، ولا يقضى عليه بأكثر مما فسره وهو مذهب الشافعي.

وذكر ابن سحنون عن أبيه وأهل العراق أنه لا يقبل منه تصير ذلك بأقل من ظ ب الزكاة. وهذا اختيار ابن القصار.

وكأن الشافعي والأبهري رأيا أن "العظم" لا حد له، ويتفاوت تفاوتا كثيرا، كما أن المال لا حد له، ويتفاوت تفاوتا كثيرا، وما تفاوت هكذا من وصف أو موصوف لم تفد الصفة فيه زيادة على ما أفاده الإطلاق من غير تقييد، فيرجع في ذلك لاحتماله، أطلق أو قيد ووصف، إلى تصير المقر له (2) لا سيما ولا يشك أحد في أن هذا الوصف بالعظم لا يصح التحديد فيه لا بإسناده إلى لغة أو شرع أو عرف أو استعمال.

وكأن من ذهب إلى التحديد بنصيب الزكاة يرى أن هذا الوصف لا بد أن يفيد فائدة، وإلا يكون الكلام لغوا لا فائدة تحته، ومعلوم أن المال يكون عظيما

ويكون حقيرا، فلولا أن قوله "عظيم" أفاد رفع هذا الاحتمال وهو كون المال حقيرا قليلا، ما حسن النظر به. ألا ترى أن قولهم: رأيت رجلا طويلا، أفاد هذا الوصف زيادة فائدة لم تكن في الإطلاق، إذ (1) قال: رأيت رجلا، وهو رفع الاحتمال أن يكون رأى رجلا قصيرا. فكذلك إذا قال: له عندي مال عظيم، يجب أن تكون لهذه الزيادة فائدة، وإلا فيكون قوله: "عظيم" كقوله حقير، ويكون هذا من جنس ما لا ينطلق (2) به عاقل.

هذا حكم إقراره بمال مطلقا أو مقيدا موصوفا.

وأما إن وقع الإجمال من ناحية العدد لا من ناحية الجنس، مثل أن يقول: لزيد علي دراهم، أو يقول: لزيد عندي دينار (3).فإن هذا أيضا لا يخلو من أن يكون الناطق بهذا اللفظ نطق به مطلقا، أو نطق به مقيدا، بأن يقول: له عندي دراهم كثيرة.

فأما إن أطلق القول فقال: لزيد عندي دراهم، فإن ذلك يحمل على ثلاثة دراهم. وكذلك إن قال: له عندي دينار (1)، فإنه يحمل على ثلاثة دنانير لأن ذلك هو العرف في الاستعمال عند الناس. قال ابن سحنون: وهذا إجماع فيما علمت.

وكذلك لو صغر الجمع فقال: له عندي دنينرات، فإنه يقضى عليه بثلاثة، لحصول صيغة الجمع، ولا يبالى بصيغة الجمع إذا حصلت، كانت مصغرة أو غير مصغرة.

وأما إن قال: له عندي دراهم كثيرة، أو قال: له عندي دنانير كثيرة. فإنه اختلف في هذا الوصف: هل له زيادة فائدة على ما أفاده الإطلاق فيقبل منه تفسيره أنه أراد ثلاثة لا أكثر منها؟ هذا مما اختلف فيه أيضا مذهب الشافعي

والشيخ أبو بكر الأبهري من أصحابنا إلى أن هذه الزيادة وهي الوصف بالكثرة لا تفيد أكثر مما يفيده الإطلاق، ويحمل ذلك على ثلاثة دراهم أو ثلاثة دنانير، ويقبل منه تصير ما أجمله بعدد لا يتقاصر عن الثلاثة.

وتوجيه هذا المذهب مأخوذ مما قدمناه من أن لفظ الجمع وهو قوله: دراهم، يقع على الدراهم الكثيرة والدراهم القليلة، فلم يفد التقييد زيادة على ما أمكن دخوله في القول: له عندي دراهم. وإنما تكون الزيادة لها حكم في هذا المعنى إذا أفادت ما لم يفده القول الأول، ولا أمكن دخوله فيه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٩٠