تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر ابن سحنون أن غيرنا فرق بين أن يقول: له فيها شرك معي، وبين أن يحذف قوله: "معي". فإذا قال: "معي"، قبل منه ما فسره من الأجزاء. وإن لم يقل "معى" عمل على النصف.

وهذا أيضا لا يكاد يظهر له وجه.

وكذلك إذا قال: هذه الدار بيني وبين فلان، فإنه يقبل منه ما ذكر أنه لفلان من الأجزاء فيها، وهو اختيار الحذاق من أصحاب مالك من المحمدين كابن سحنون وابن عبد الحكم وابن المواز.

والقول الآخر: أنه لا يقبل منه تفسيره بأقل من النصف.

وإذا قال: أشركت فلانا بنصف هذه الدار.، فهو شريكه بالنصف.

ومقتضى اللفظ أنه إنما الشركة في نصفها، فيكون له ربعها، على أحد القولين، في إطلاق الشركة، لكون الرواية أنه يقضى له بالنصف. وحملوا لفظة "في" على حكم "الباء"، وقوله: أشركته في النصف، كقوله: أشركته بالنصف.

ويجب أن تعلم ما قدمناه مرارا من المعتبر في هذا الباب على كثرة ما ذكر فيه من الروايات، فالاعتماد على إعطاء اللفظ حقه في اللغة أو في عرف الاستعمال، وما احتمل رجع فيه إلى تصير المقر، ويقبل منه ما يذكر إذا أمكن ذلك.

وقد أكثر ابن عبد الحكم وابن سحنون في تتبع ألفاظ المقرين، ولا فائدة في التطويل بها، وقد أخبرناك الأصل الذي اعتمدوا عليه. ألا تراهم قالوا: إذا قال: لزيد عندي بقرة. أن ذلك ينطلق على الذكر والأنثي. قالوا فيه خلاف.

ولا وجه للاختلاف في هذا إلا ما صرفته العادة في الاستعمال. فمنهم من رأى أن القول "بقرة" ينطلق على الذكر والأنثي، كقوله في بني آدم: هذه نسمة (1). إن ذلك لا ينطلق إلا على الإناث من البقر.

(ولو قال: له عندي طير. ثم سئل عنه فقال: مذبوح، لم يقبل منه، لكونه لو وصل الكلام المجمل بالتفسير لقبل منه كونه مذبوحا إذا قال: له عندي طائر مذبوح) (2)، فلو فسر ذلك بدجاجة حية لقبل منه، ولو فسر بنعامة لم يقبل منه. وهذا كله شهادة بعادة مرادة بهذه الألفاظ.

ومما هو من جملة هذا النوع الذي أجمل فيه الإقرار قول الإنسان: لزيد عندي مال. فإنه لا يخلو أن يقتصر على هذا القول، أو يقيده بأن يقول: مال عظيم. فإن أطلق القول واقتصر على قوله: لزيد عندي مال، فقد اختلف المذهب في ذلك. والأشهر فيه أنه يقضى عليه في الجنس الذي أقر به بمقدار نصاب الزكاة لا أقل مثله. قال ابن المواز فيمن أوصى بأن: لفلان عندي مالا: إنه يقضى في تركته بنصاب الزكاة من المال وهو عشرون دينارا إن كان من أهل الذهب ومائتا درهم إن كان من أهل الورق. وهكذا ذكر في التعليل أصبغ عن ابن وهب فيمن قال: لفلان في هذا الكيس، أنه يقضى عليه فيه بنصاب الزكاة.

والقول الثاني: انه يرجع في تفسير ذلك إلى المقر، فيقبل منه ما فسر قوله به، ولا يقضى عليه بزيادة على ما فسر إقراره به. ذكر هذا ابن سحنون، واختاره الشيخ أبو بكر الأبهري، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.

وقال ابن القصار: ليست هذه الصبحألة منصوصة لمالك. والذي يجري عندي على مذهبه إلزام المقر نصاب القطع في السرقة وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

وسبب هذا الاختلاف أن الضابط لطرق النظر في هذه المسألة (درهما إلا) (1) مقتضى اللغة ومقتضى الشرع أو عرف الاستعمال.

فمن ذهب إلى مذهب أبي حنيفة والشافعي واختيار أبي بكر الأبهري، من أصحابنا، عرض هذه المسألة على هذه الثلاثة أنواع، فلم يجد في اللغة لهذا الاسم الذي هو "مال" تحديد المقدار، ولا وجد ذلك في الشرع، ولا وجده في عرف الاستعمال، فأبقاه على حكم الإجمال، وقضى بما يفسره المقر من هذا الذي أجمله.

ومن حد ذلك بما ذكرناه عنه (وما حدوا واحدا) (2) وهو اتباع إشارة الشرع لكن لما وجد في الشرع تحديدين أحدهمأوهو الأقل وهو قطع يد السارق في ربع دينار ومنع النكاح بأقل من المال من ربع دينار استشعروا من هذا أن هذا المقدار له حرمة فلهذا استبيحت به هذه الحرم من فروج أو قطع أيد. فوجب أن تحمل ألفاظ المقرين بمال على هذا المقدار الذي حده الشرع. وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقطع في التافه وإنما يقطع في ربع دينار" (3) فأشارت إلى أن ما قل عن ربع دينار في حكم التافه المحتقر، وما كان محتقرا تافها لم تحمل هذه التسمية عليه. وقد قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (4) فأطلق المال على نصاب الزكاة فاقتضى هذا حمل إطلاق "مال" على هذا المقدار.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٨٩