أحدها: القول في بيع الطعام قبل قبضه.
والثاني: القول في صفة الملك للطعام الممنوع من بيعه قبل قبضه.
والثالث: القول في الشركة والإقالة والتولية فيه.
فأما الفصل الأول فيتعلق به أربعة أسئلة منها أن يقال:
1) ما الذي يمنع بيعه قبل قبضه؟
2) وما سبب الاختلاف فيه؟
3) وإلى أي شيء خص الطعام بالمنع؟
4) وهل هذا المنع في سائر أنواع الأطعمة أم لا؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
الذي يمنع بيعه قبل قبضه فذكر عن عثمان البتي أنه أجاز بيع كل شيء قبل قبضه. وذكر أبو الفرج من أصحابنا، يشير إلى التردد في هذا المذهب، فقال: يمنع من بيع الطعام قبل قبضه لأجل العينة، وهكذا كل شيء من السلع إذا قصد بها العينة منعت لها بمنع الطعام. لكن العينة إن ارتفعت منع الطعام خاصة لأجل الحديث، وجاز ما سواه من السلع. فجعل الطعام ممنوعا للمعنى وهو العينة تارة، وتارة أخرى للخبر. ثم قال: ووجه آخر أن استعمال العينة إنما يكثر في مبايعة الأطعمة. ويقول، والله أعلم: لو سلم البيع فيه من العينة لجاز إذا بيع بنقد. وهذا القول منه يشير إلى قريب من قول عثمان البتي.
والقاضي أبو محمد عبد الوهاب يعلل بيع الطعام قبل قبضه بالعينة ولم يجعله شرعا غير معلل. ومن ذهب من الناس إلى عكس هذا المذهب، فمنع من بيع كل شيء قبل قبضه، طعاما كان أو غيره، مما ينقل ويحول كالعروض، أو مما لا ينقل كالعقار إلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله عنه. وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة. ومن الناس من قصر المنع على كل مكيل وموزون طعاما كان أو غيره. ذهب إلى هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه وابن المسيب والحسن البصري وربيعة ويحيى بن سعيد وبه قال ابن حنبل.
وذهب مالك رضي الله عنه إلى قصر المنع على الطعام خاصة دون ما
سواه من سائر الأجناس. وذهب أبو حنيفة إلى المنع في كل جنس كما قاله الشافعي لكنه انفرد فاستثنى منه ما لا ينقل ولا يحول. فهذه خمسة مذاهب.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلفت الأحاديث الواردة في هذا الباب، فروي في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع طعاما (قبل النعمة) (1) حتى يستوفيه" وروى عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن ربح ما لم يضمن" (2) وروي عن حكيم بن حزام أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "بين لي ما يحل ويحرم" فقال: "إذا ابتعت بيعا فلا تبعه حتى تستوفيه" (3) وذكر ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "ابتعت زيتا فلقيني رجل بالسوق فأعطاني فيه ربحا حسنا فمشيت وأنا آخذ بيده فإذا رجل أخذ بذراعي من وراء فالتفت فإذا زيد بن ثابت رضي الله عنه قال لي: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السلع، حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" (4). فأما عثمان البتي فإنه يترك النظر في هذا، ويتعلق بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ (5). وبقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (6) فعم كل بيع، وكذلك عم كل تجارة عن تراض.
وأما من سواه، فإن مالكا رضي الله عنه يتعلق بقوله: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" دليل الخطاب أن ما عدا الطعام يباع قبل أن يقبض.
وأما ابن حنبل ومن ذكرنا معه فإنه يقيس على الطعام كل مكيل أو موزون لمشاركته الطعام في الكيل أو الوزن، ويرى أن تخصيص الطعام هنا بالذكر تنبيه
على كل مكيل وموزون، ولم يرد به قصر الحكم على الطعام خاصة، ونفيه عما سواه، كما لم يرد بذكر الربا في البر والشعير وما ذكر معهما قصر الربا على ما سمي من هذه الأصناف، بل ذكرها لينبه على ما شاركها في علة الربا. وكذلك ها هنا إنما ذكر الطعام لينبه به على ما شاركه في قيل أو وزن، وقد وقع في بعض طرق الحديث "من ابتاع طعاما مكيلا" فتقييده بالكيل تنبيه على أنه عليه الحكم.