وهكذا كله إنما مداره على اعتبار ما يقتضيه اللفظ في اللغة أو في
حرف (1) الاستعمال كما قدمناه، وهو سبب الخلاف فيما ذكرنا الخلاف فيه.
وإذا قال: غصبته سرجا على دابة، لم يتضمن ذلك دخول الدابة في هذا الإقرار. وإذا قال: غصبته دابة عليها سرج، فقد تضمن هذا القول دخول السرج في الإقرار.
ولم ير الشافعي قوله: غصبته منديلا فيه ثوب، وزقا فيه زيت، يتضمن الإقرار بما ذكر أنه فيه، ورأى أنه لا يؤخذ بأكثر من المنديل ولا بأكثر من الزق.
وهذا كأنه خلاف لما حكيناه عن المذهب كقوله: غصبت دابة عليها سرج.
ولو قال غصبت عبدا مع عبد، لكان قولا محتملا: هل المراد: غصبته عبدأومعي عبد شاركني في الغصب، أو المراد أنه غصب عبدين؟ فيقبل منه ما ذكر أنه مراده مع يمينه.
ولو قال: غصبته عبدا ومعه عبد، لم يؤخذ بعبدين لأنه قد يكون مع العبد المغصوب هذا العبد المشار إليه يماشيه ويصاحبه ولا يكون في يده. بخلاف قوله: غصبته عبدا ومعه ثوب لأن الثوب لم (2) يستقل بنفسه، وإنما يكون بيد أحد.
ولو قال: غصبته ثوبا أنا ورجل سماه فإن ابن عبد الحكم قال: لا يلزمه إلا قيمة نصف ثوب بناء منه على مذهبه في اللصوص الغصاب، إذا تشاركوا، أن كل إنسان منهم لا يطلب بما أخذه صاحبه. وأشار هو إلى هذا فقال: وبعض أصحابنا يرى أن المشتركين في الغصب يضمن كل واحد منهما على صاحبه من ذلك.
والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال:
قد ذكرنا حكم من أقر بشيء في وعاء: هل يدخل الوعاء في الإقرار أم لا، وهذا الفصل: إذا أقر بشيء في شيء لا يكون وعاء له مثل: إن له درهم (1) في درهم، أو دينار (1) في دينار أو درهم (1) في عشرة دراهم أو في عشره دنانير أو عشرة دنانير في درهم أو مائه درهم في عشرة دنانير. فان هذا معلوم أن أحدها لا يكون ظرفا للآخر، وإن كان اللفظ وهذا الحرف الذي هو قوله: في كذا، يدل على الوعاء والظرفية.
وقد اختلف في هذا: فمذهب سحنون حمل هذا على أن المراد يضرب الشيء في الشيء، فيكون اللازم ما خرج من الضرب. وهذا الذي يسميه الحساب التجربة، ومعناه إجراء العدد في عدد، كقوله: أربعة في أربعة بستة عشر، وعشرة في عشره بمائة، إلى غير ذلك منا سائو العدد المضروب منها العدد في مثله. فإذا قال: له عندي دينار في دينار ودرهم في درهم، لم يلزمه عند سحنون سوى درهم واحد. وإذا قيل: له عندي عشرة دراهم في عشرة دراهم، لزمه مائة درهم.
ومذهب ابن عبد الحكم أنه لا يلزمه إلا العدد الأول، ويسقط ما ذكر بعده من قوله: في كذا، إذا حلف المقر أنه لم يرد بذلك التضعيف، وصرف الحساب.
وسبب هذا الاختلاف ما قدمناه مرارا من كون الاعتماد في هذا على ما يفيده لفظ المقر من ناحية اللغة أو من ناحية عرف الاستعمال.
وكأن سحنونا رأى أن الظرفية لما استحالت وامتنع أن يكون الدرهم وعاء للدرهم، بخلاف ما قدمناه في السؤال الذي قبل هذا من قوله: له عندي زيت في زق، وجب حمل ذلك على معنى آخر مستعمل في العرف وهو ضرب
الحساب، فألزمه العدد الخارج من المضروب فيه فقال: إذا قال: له عندي عشرة دراهم (1)، لزمه مائة درهم، لكون فذا اللفظ يستعمل في ضرب الحساب فوجب العمل عليه لكونه الظاهر فيه.
وكأن محمد بن عبد الحكم لم ير ذلك كالصريح في ضرب الحساب بل هو محتمل لأن يريد معنى غير ضرب الحساب، مثل أن يكون المراد به عشرة دراهم في مائة درهم أخذتها منه. فلا يجب حمل هذا اللفظ، مع احتماله لهذا المعنى الثاني، على ضرب الحساب إذا حلف أنه لم يرد ضرب الحساب. فهذا سبب الخلاف بين هذين المذهبين.
ولو كان ما ذكره كالجنسين مثل قوله: له عندي عشرة دراهم في عشرة دنانير، لم يكن فيه خلاف عندنا في أنه لا يحمل ذلك على ضرب حساب لاختلاف الجنسين، ولكون العادة في الاستعمال إنما جرت بضرب الشيء في مثله في الجنسية، كقوله: عشرة دراهم في عشرة دراهم. وأما مع اختلاف الجنسية فذلك مما لا يستعمل، فلا وجه لحمل لفظ المقر على ما لا يستعمل في الخطاب. وهكذا لو قال: له عندي درهم في قفيز قمح، لكان ذلك اعترافا بالسلم، فكأنه قال: أسلم إلي فلان درهما في قفيز قمح، فيكون المقر له بالخيار في قبول هذا الإقرار فيبقى الدرهم سلما في القمح، أو تكذيب المقر في ادعائه من السلم، ويطالبه بالدرهم، ويصير هذا داخلا في باب التداعي في السلم. وقد تقدم حكمه في كتاب البيوع وينطبق أيضا في هذا النوع متى حمل على أنه لم يرد ضرب الحساب، وإنما أراد عقود معاوضة: هل أقر بما يجوز أن يؤخذ بعضه عن بعض، فيكون إقراره لازما له، أو يكون مما يحرم فيفسخ ما ادعاه من المعاوضة ويرجع إلى رأس المال؟