والتمليك كقولك: المال لزيد. والاختصاص دون التمليك كقولك: هذا السرج للدابة. لأن الدابة مما لا يعقل ولا يصح أن تملك. فيمكن أن يكون المراد بقوله: هذا سرج دابة فلان هو الذي أركب به عليها.
ولو قال أو أشار إلى باب خشب، وقال: هذا الباب لي ومساميره لفلان، أو مساميره لي وخشبه لفلان. لمضى الإقرار على ما هو عليه، وكانا شريكين في الباب بمقدار قيمة ما لكل واحد.
ولكن لو قال: هذا الباب لفلان، ومساميره (1)، لكن في ذلك قولان.
وسبب الخلاف ما قدمناه من النظر في هذه التسمية: هل هذه اللفظه، التي هي باب، اسم لخشب مركبة بمسامير فيكون استثناء المسامير كالمبطل لحكم هذه اللفظة أم لا؟
وكذلك لو قال: غصبته هذا الخاتم، وفصه لي، لكان فيه قولان: أحدهما: إن هذا الاستدراك لا يقبل منه، لأنه لما قال: غصبت هذا الخاتم كالمقر لغصب فصه، ثم نفى ذلك، فلا يقبل منه ما ذكره من نفي ما أقر به، ويكون في هذا إشكال فلا يخرج عن ملكه بالشك.
ولو قال: هذا الخاتم لفلان إلا فصه لي ولكن (2) فضته لي. أو قال: هذه الجبة لفلان لكن بطانتها لي، فإن ذلك يقبل منه عندنا. وخالف في ذلك غيرنا، فقال: لا يقبل منه. وسبب هذا الخلاف ما قدمناه من كون الاستثناء يبطل حقيقة اللفظ الأول أو لا يبطله. وعلى هذا تجري سائر المسائل التي لم نذكرها للاستغناء عن ذكرها بما قدمناه.
ومما ينخرط في هذا المسلك: إذا أقر بشيء هل يدخل وعاؤه في الإقرار أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقر بما لا يستقل بنفسه دون وعاء يكون فيه كالزيت.
والسمن، والعسل. مثل أن يقول: غصبته زيتا في زقي أو سمنا في قلتي. فإن هذا يقضى به على المقر: بالزيت والزق، وبالقلة والسمن، للعلم بأن الزيت والسمن وما أشبههما من المائعات لا يوجد أبدا إلا مختزنا في ظرف ووعاء.
هذا المشهور من المذهب. ونص عليه محمد بن عبد الحكم وقال: إذا (1) غصبت ثوبا في منديل، أو قمحا في غرارة، لم يلزمه المنديل ولا الغرارة، ولا يؤخذ بأكثر مما أقر به من ثوب أو قمح بخلاف قوله زيتا في زق. قال: والفرق بينهما أن الزيت لا يوجد إلا في ظرف، والثوب قد يدخل يده في عيبة هو فيها، أو منديلا هو فيه، فيؤخذ وحده دون وعائه.
وقد نقل ابن عبد الحكم ما يقتضي ظاهره أنه لا فرق بين قوله: زيتا في زق أو ثوبا في عيبة. ويرى أن اللازم في هذا الإقرار الزيت دون ظرفه والثوب دون العيبة.
وهكذا قال الشافعي: إنه لا يقضى بالوعاء.
ولو قال: غصبته زيتا في زق لكن الصحيح (2) النص الذي هو. صحيح ما حكيناه عن محمد بن عبد الحكم وغيره مما ذكر عنه قد يناول (3).
والقسم الثاني: أن يكون الوعاء مما قد يستغنى عنه مما هو حال فيه ولكن قد ينقل بما هو فيه حال، كقولك غصبته ثويا في عيبة أو ثوبا في منديل أو قمحا في شكارة. فهذا عندنا فيه قولان منصوصان:
أحدهما: أنه يقضى عليه بالثوب وبالعيبة وبالثوب والمنديل وبالقمح والشكارة. وإلى هذا ذهب سحنون وهو مذهب أبي حنيفة.
والقول الآخر: إنه لا يقضى عليه إلا بالثوب دون العيبة وبالقمح دون الشكارة. وبهذا قال الشافعي.
ويحتج من ذهب إلى مذهب سحنون وأبي حنيفة بأن قوله: غصبته ثوبا، كلام فيه احتمال، فإذا فسر هذا الاحتمال أخذ بالتفسير أيضا فقوله: غصبته ثوبا، يحتمل أن يكون وحده ويحتمل أن يكون معه غيره. فإذا قال: غصبت ثوبا في عيبة، صار ذلك كقوله: غصبته ثوبا وعيبة، وكان قوله: ثوبا في عيبة، تفسيرا لما أجمله مما غصبه.
وحجة الشافعي وابن عبد الحكم أن قوله: غصبت ثوبا، كلام مستقل.
وقوله: في عيبة يحتمل أن يكون إنما أراد الإخبار يحمل الثوب الذي أخذه منه لا أنه غصبه. وإذا احتمل ذلك لم يقض به، لأن الذمم لا تعمر بأمر محتمل.
والقسم الثالث: أن يكون أقر بشيء ذكر محله، ومحله مما يستغني عنه الشيء الذي أقر بأخذه ولا ينتقل بانتقاله، كقوله: غصبت قمحا في بيت. فإن القمح قد يستغني عن البيت، والبيت أيضا لا ينتقل بنقل ما وضع فيه. وقد قال في كتاب ابن سحنون: يلزم من ضمنه البيت وجعله مقرا به أن يضمنه القصر إذا قال: غصبته في قصر، أو يضمنه السفينة إذا قال: غصبت قمحا في سفينة، أو يضمنه الغلام (1) إذا قال غصبته دابة عليها سرج أو عليها لجام، أو جمل عليه عدل، ألزمه الدابة بسرجها أو لجامها، والجمل بعدله.