تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قاعدة هذا الباب النظر في حكم لفظ المقر من جهة اللغة أو من ناحية العرف المستعمل في الخطاب بين الناس، فيقضى عليه بموجبه. وما أشكل واحتمل قبل قوله أنه لم يرده بإقراره، وينظر في يمينه على ما ادعاه من قصده.

والمسائل المتعلقة بهذه القاعدة لا تكاد تنحصر. ومثل هذا ما ذكر في الروايات أن عن قال: هذه الدار لزيد. بهانت الدار للمقز له بأبنيتها وبيوتها.

وكذلك لو قال: هذا البستان لفلان. لكان ذلك له بشجره، ولو قال: هذه الأرض لفلان. وفيها زرع، لم يدخل الزرع في الإقرار، لكونه مما لا يتأبد مقامه في الأرض، ويتكرر إحداثه فيها، وازالته منها، يخلاف البناء في الدار والشجر في البستان، وهذا واضح في مقتضى عرف الناس وخطابهم.

وكذلك لو قال: هذا الجبة، وهذه الوسادة لفلان، لكان ذلك له ببطانة الجبة وحشوها، وكذلك الوسادة تكون له بحشوها.

ولو قال في راوية حملها على دابته: هذه الراوية لفلان فيها ماء أو عسل أو زيت. وقال: أردت ما في الراوية من ماء أو زيت، ولم أرد الجلد لصدق في ذلك.

ولو قال: استعرت منه هذه الراوية وقال: أردت الماء الذي فيها. لم يصدق. لأن ذلك لا ينطلق عليه في العوف اسم العارية إذ لا يستعار الماء والزيت.

ولو قال: (هذا المزاد (1)) لفلان. لصدق في قوله: إنما أردت الجلد الذي هو الظرف خاصة.

ولو قال: هذه الصرة لفلان. ثم قال: إنما أردت الخرقة لا الدنانير التي فيها. لم يصدق لأنه لا تستعمل هذه اللفظة في خرقة منفردة فتسمى سورة.

ولكن لو قال: هذا المصر، وقال: لم أرد ما فيه من ذهب. لصدق؛ لأن هذه اللفظة في المصر دون ما يصر.

ولو قال رجل، في وصيته عند موته،: لفلان الزير الذي بمكان كذا.

وكان مملوءا قمحا أو زيتا، لسلم ذلك إليه بما فيه، لكون العادة أن الزير إنما يكسب لما يجوز (2) فيه من زيت أو قمح. ولو كان فيه ما جرت العادة بأنه لا يخزن فيه كالثياب لم تكن الثياب داخلة في هذا اللفظ، إلا أن يكون الموصي عليه (3) علم بهذا وبكونه تخزن في هذا الزير. فقد اتضح بهذا (4) المثل ما ينبني

على القاعدة التي قدمنا. ووجه ما وقع في الروايات من ذلك مما ذكرناه ويستغنى به عما لم نذكره.

ولو وقع في هذا المعنى استثناء، أو ما هو في معنى الاستثناء، لكانت القاعدة في ذلك أيضا أن ينظر فيما ألحقه بالخطاب مما استدركه: هل يبطل حقيقة التسمية وما أقر به فلا يقبل ذلك منه، أو لا يبطل ذلك؟ فقيل فيه: إذا كان نسقا قولا متصلا مثل أن يقول: هذا البناء لزيد ولكن الأرض لي. فإن ذلك يقبل منه عندنالأولا يقبل منه عند المخالف.

وكذلك لو قال: هذه الأرض لفلان. وبناؤها لي، وهذا البستان لفلان ونخله لي، (والبستان لفلان) (1) لقبل ذلك منه عندنا؛ لأن هذا الاستدراك لا يبطل حقيقة ما تقدم من القول الأول ولا يناقضه. لكن وقع في العتبية لابن القاسم فيمن قال: هذه البقعة بيني وبين فلان وبناؤها لي. إن البناء تابع للأرض، فيكون يقضى له بالبقعة. وخالفه أصبغ في ذلك ورأى أن الإقرار يمضي على ما هوعليه، ويكون البناء للمقر.

وكأن ابن القاسم رأى أن قوله: (هذه البقعة لي) (2)، ينطلق عليها وعلى بنائها. فإذا قال: البناء لي، فكأنه كالراجع عما أقر به أولا.

ولو قال: هذه الأمة لفلان؛ ولها أولاد، لم يدخل أولادها في هذا الإقرار لكونهم لا تشتمل عليهم تسمية أمهم التي هي قوله: فلانة ولم يكن ذلك إقرارا، ولكن وقعت به شهادة. لكن أولادها بائعين (3) لها في الملك .. وكذلك يكون للمقر له بها ما عليها من كسوة، وما في يدها مما تحوزه بحكم إطلاق الإقرار بالملك، لكون العبد عندنا يملك، وحوزه حوز، وكأن المالك هو الحائز لما حازه مملوكه.

ولو قال: هذا سرج دابة فلان. ذكر ابن عبد الحكم وغيره أن في هذا إشكالا، ووجه هذا الإشكال أن الإضافة تكون للملك، وتكون للاختصاص.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٨٤