وقوله: إن يسر الله، أو رزقني الله مالا، هذا فيه إشكال واحتمال فيما يراد به.
وإذا تصور سبب الخلاف وعلته، فالمتبع في ذلك حكم الألفاظ في اللغة أو العرف، وقد يختلف عرف الناس في ذلك باعتماد على ما أشرنا إليه من قول القائل.
هذا بيان تعليق الإقرار بمشيئة الله سبحانه.
وأما تعليقه بمشيئة مخلوق (1) عندي مائة دينار إن شاء زيد، فإنه لم يختلف المذهب في أن هذا الإقرار ساقط، وإنما اختلف في تعليل سقوطه: فأما ابن سحنون ومحمد بن عبد الحكم فإنهما عللا سقوطه يكون ذلك مخاطرة وتقرير (2) بالمال. وذلك مما لا يجوز، لأن مشيئة زيد لا يعلمها هذا
القائل: هل يشاء إثبات هذه المائة على هذا المقر فتثبت أم لا يشاء فتسقط؟
فصار ذلك مخاطرة وتقريرا (2). وقد اتفق على أن: لك عندي مائة دينار إن هبت الريح، أو تكلم زيد. أو دخل فلان الدار، أن ذلك ساقط غير لازم، لكون ذلك مخاطرة وإضاعة للمال.
وأما ابن المواز فإنه علل ذلك بكونه على ثقة بأن زيدا لا يشاء أمته (3) إتلاف ماله، فيعتذر عن قول زيد: قد شئت، بأنه إنما ظن به أنه لا يشاء فكأنه اشترط في الإقرار هذا القدر، كما لو قال رجل لمن ادعى عليه بمال: أنا أرضى بشهادة فلان علي. فشهد علمه، فإن الشهادة لا تلزمه لكونه يعتذر عما التزم بأن يقول: أنا قلت ذلك والتزمته لاعتقادي وظني به أنه لا يقول إلا حقا.
وكذلك هذا في الإقرار المعلق بمشيئة زيد.
ومذهب الشافعي أن الإقرار المعلق بمشيئة الله سبحانه، أو بمشيئة زيد، ساقط، كما ذكرنا عن أصحابنا. وعلل أصحابه سقوط الإقرار إذا علق بمشيئة
زيد بتعليل ثالث ما ذكرناه عن أصحابنا، فقالوا: إن كان هذا المعنى (1) يعلم أن (2) ذمته ما أقربه، فلا يثبت ذلك عليه مشيئة زيد، ولا يسقط ذلك عنه كون زيد لم يشأ، وإن كان ليس في ذمته شيء فلا يثبت ذلك عليه قول زيد: قد شئت أن يكون في ذمتك مال.
ومما يلحق بهذا المعنى الذي نحن فيه من الألفاظ المشعرة بالشك، وإن لم يكن لعليقا بمشيئة، قول الإنسان: لفلان عندي مائة دينار في علمي، أو ظني، أو فيما أحسبه، أو فيما أرى، إلى غير ذلك من هذه الألفاظ المستعملة في هذا المعنى.
فذكر ابن سحنون أن هذا الإقرار لازم. وذلك ينبني على ما ذكرناه عنه في كونه يرى أن الشك في الإقرار لا يبطله، كما كررنا ذكر ذلك عنه.
وذهب محمد بن عبد الحكم ومحمد بن المواز إلى سقوط هذا الإقرار بهذا اللفظ الذي وصل به، كما يسقط ذلك الشهادة إذا وقع اللفظ من الشاهد، فقال: أشهد أن لزيد على عمرو مائة دينار في ظني، أو في علمي، أو في حسباني.
ولو قال: لفلان عندي مائة دينار في "علم فلان، أو في شهادة فلان، فإن القولين في ذلك أيضا.
وذهب ابن سحنون ثبوت الإقرار.
وذهب محمد بن المواز ومحمد بن عبد الحكم إلى سقوط هذا الإقرار.
واتفق الثلاثة (محمد (3) بن علي) أنه لو قال: عندي مائة دينار بشهادة فلان. لكان إقرارا صحيحا ثابتا، لأن إدخال حرف الباء ها هنا يشعر بتصحيح
الإقرار، وقصد المقر إلى تأكيده بقوله: عندي كذا بشهادة فلان، أو بعلم فلان.
وأما الحرف الآخر وهو قوله: في شهادة فلان، أو في علم فلان، فلا يتضح تأكيدا بل يحسن حمله على تأكيد الإنكار، وكأن المراد أنه: لا شيء له على، وإنما يزعم ذلك فلان في شهادته، أو في علمه. ولو قال: في قول فلان أو بقول فلان، لاتضح كون ذلك يجري مجرى الإنكار لأن يكون عليه.
وعلى هذا يجري قوله: في قضاء فلأن أو فتيا فلان، أو في فقه فلان لكون هذا الحرف يشكل أمره: هل المراد به تكذيب فلان المضاف إليه القضاء والفقه والفتيا (1).
وقوله: في قضاء، يمكن أن يكون المراد أنهما تحاكما إليه فقضى بما قال المقر، لكون العبارة عن هذا تختلف، ويجري الأمر فيها على حسب ما قلناه.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: