فقال له سحنون: لم تأت بنظير، وقد أجمع العلماء على الفرق بين الإقرار واليمين، ألا ترى أن القائل: عبدي حز، وسكت، أن العتق يلزمه. ولو قال:
والله، وسكت فإنه لا يلزمه في هذا القول شيء. فأشار إلى قوله لعبده، أنت حر، إن شأء الله، لا يؤثر لكون قوله: أنت حر، كلام مستقل بنفسه فلا يؤثر فيه الاستثناء بمشيئة الله تعالى، ولا يرفع الاستثناء حكم لفظ قد استقل. ولو قال: والله لا فعلت هذا، إن شاء الله. لأثر هذا الاستثناء لكون قوله: إن شاء الله، إنما يرجع إلى رفع القسم الذي هو قوله: والله، ولا يرجع إلى الفعل المحلوف عليه. وإنما أثر ذلك في اليمين لرجوع هذا الاستثناء إلى لفظة لا تفيد إذا تجردت مما يضاف إليها. وقوله: له عندي ألف دوهم، يفيد، وإن تجرد هذا
الكلام مما وصل به من قوله: إن شاء الله. فهذا تعليل القول بأن هذا الإقرار لازم، ولا يسقطه تقييده بقول المقر، إن شاء الله. وقد ذكره سحنون بنفسه.
وأما مذهب ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم فإنما صارا إليه، لأنه قول المقر: إن شاء الله، تشعر بالشك. وهكذا أيضا أشارا إلى هذا التعليل فقالا أو أحدهما: لا يلزم ذلك، لأن المقر أدخل بهذا شكا.
وبالجملة فإن محصول هذا يتعلق بشك المقر في إقراره: هل يقضى عليه أم لا؟ وقد قدمنا نحن، فيما سلف، أن المقر له إذا أيقن بما شك فيه المقر قضي له على المقر لكونه موقنا وكون المقر شاكا. واختلف: هل يقضى له بيمين أو بغير يمين؟
فلو كانا جميعا شاكين لسقط الإقرار في أحد القولين. وقد صرح سحنون بأن الشك في الإقرار لا يبطله، كما حكينا أعنه في هذه المسألة. وصرح من خالفه من أصحابنا بأن علة سقوط هذا الإقرار كونه مشعرا بالشك. لكنه يمكن أن يعلل أيضا طريقة سحنون يكون تعقيب الإقرار بما يسقطه كله يعد ندما، ولا يلتفت إليه، كما قدمنا هذا عنه في مسائل ذكرناها.
لكن يقتضي هذا التعليل أنه لو ابتدأ القول بلفظ الشك لكان بخلاف كونه يؤخر القول حتى يصله بعد حصول الإقرار. لكن مطلق قوله الذي حكينا عنه أن الشك لا يبطل الإقرار يقتضي خلاف هذا التعليل.
وقد حكى ابن حبيب عن عبد الملك بن الماجشون أن المقر لا يلزمه إقراره، وإن افتتحه بلفظ الشك، فقال عنه، فيمن قال لرجل: أظن أن لك عندي كذا وكذا،: فإن هذا الإقرار لا يلزمه، ويحلف المقر على أنه لا يحقق ذلك.
فهذا تصريح بسقوط الإقرار ولو صدر به الكلام حتى يمتنع صرف الشك إلى كونه ندما. فأنت ترى سحنوناكيف علل في رده أهل العراق هذا بعلتين:
إحداهما: أنه كالاستثناء الرافع للكل فلا يقبل.
والثاني: أنه كالشك، على ما اقتضاه التقسيم الذي ذكرناه عنه في رده على المخالف.
وقد ذكر ابن سحنون فيمن كتب على نفسه ذكر حق، وقال فيه: ومن قال بهذا الذكر فهو ولي ما فيه إن شاء الله، أن بعضهم قال: فإن هذا الإقرار ساقط.
قال: وقال أبو يوسف: بل هو لازم. مثل قولنا. وأشار إلى أبي يوسف كأنه نقض بهذا أصلهم.
وهذه المناقضة قد لا تلزم لأن مذهبنا أنه إذا قال: لك عندي ألف درهم أقضيك إياها الآن، أو إلى شهر إن شاء الله، إن هذا الإقرار لازم، ولا يذكر في مذهبنا في هذا اختلاف، لكون هذا الاستثناء راجعا إلى القضاء لا إلى الإقرار.
فيمكن أن يكون أبو يوسف قال عقيب الإقرار: قول المقر: ومن هذا الذكر فهو ولي ما فيه. المراد أنه يقبضه (1). جعل هذا الإقرار صريحا لصرفه قوله: إن شاء الله إلى قول القائل: فهو ولي ما فيه.
ولسنا نقصر هذا الخلاف الذي ذكرناه عن المذهب على هذه اللفظة، وهي قول: إن شاء الله، بل الخلاف جار. ني كل لفظة تسد مسدها كقوله: لك عندي ألف درهم إن شاء الله، وإن أراد الله، وإن قضى الله أو رضي الله. فإن هذه الألفاظ ترجع إلى الإرادة.
وبذلك قال أصحابنا في قوله: لك عندي ألف درهم إن أوجب الله ذلك، أو إن يسر الله أو رزقني الله مالا. وكذلك: عندي (2) ألف درهم إن كان ذلك حقا. وهذا صحيح كله إذا جرى العرف بأن المراد به الإشعار بالشك فيما سبق من القول، ولكن بعضه أوضح بالإشعار بالشك من بعض.