تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقاعدة المذهب في هذا الاستثثاء بعد الإقرار بمالين إن كان الإقرار لرجل واحد فإن الاستثناء يصح كقوله: لزيد عندي مائة دينار وعائشة درهم إلا دينارا واحدا. واختلف هل يحط الدينار من المائة دينار أو يحط من المالين؟

وكقوله: لزيد عندي ألف درهم ومائة دينار إلا ألف درهم. هذا مما اختلف فيه على قولين: هل يبطل هذا الاستثناء لكونه ذكر ألف درهم ثم استثناها كلها، واستثناء الكل باطل باتفاق لو تجرد، فكذلك يكون ها هنا: يقضى عليه بألف درهم والمائة دينار. وقيل يقضى عليه بالمائة دينار خاصة لأن الاستثناء يعود إلى الجملتين جميعا. ولا شك أن المستثنى أقل من الجملتين فيصح الاستثناء إذا صرفناه للجملتين، فتبطل الألف التي استثناها وتصح المائة دينار، كما لو قال: عندي (1) كر حنطة وكر شعير إلا كر حنطة وقفيز شعير. فإن المذهب على قولين: أحدهما إبطال (2) الكر القمح ويقضى عليه به لكونه استثناه بعد إقراره به. ويصح استثناؤه في الشعير.

وقيل يصرف الاستثناء إلى الجملتين فيحط منهما الكر القمح والقفيز الشعير، ويلزمه ما بقي من الشعير.

وهذه مناقشة في صرف الاستثناء المتعقب للجمل: هل يصرف إلى جميعها وتكون كالجملة الواحدة استثنى بعضها، وإنما ينصرف الاستثناء ها هنا إلى الجملة المجانسة لما استثناه.

ولو كان الإقرار لرجلين، فقال: لزيد، عندي مائة دينار ولعمرو ألف درهم إلا مائة دينار، فإنه إن قال: صرفت الاستثناء للجملة الأولى، أبطلنا استثناءه وألزمناه الجملتين، وإن قال: صرفته للأخرى صح استثناؤه، إذا لم يستغرق استثناؤه جميع الجملة الأخيرة. وإن قال: صرفته للجملتين فض عليهما هذا المستثنى، فما ناب الجملة الأولى أبطلناه، وما ناب الجملة الثانية صححناه.

وقد قدمنا أن من شرط الاستثناء أن. يكون متصلا بالمستثنى منه، وانقطاع

ذلك بالسكوت يبطل الاستثناء، فكذلك إن قطعه بكلام لا تعلق به (1) بالجملة الأولى (2): لزيد عندي مائة دينار، أسرج لي يا غلام دابتي، إلا ألف درهم، فإن هذا الاستثناء ساقط مطرح. وإن قال: لزيد عندي مائة دينار، أستغفر الله، وأراد الاستغفار من الذنوب، لم يؤثر هذا الاستثناء وكان باطلا، ولو أراد الاستغفار من نسيان هذا المستثنى لصح الاستثناء.

وكذلك لو قال: لزيد عندي مائة دينار، اشهدوا علي، إلا دينارا. فإن في هذا قولين:

أحدهما: صحيح الاستثناء لكون قوله: اشهدوا علي، له تعلق بالجملة الأولى.

والقول الآخر: إن هذا الاستثناء باطل.

والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:

إذا علق الإقرار بمشيئة الله سبحانه، فقال: لفلان علي مائة دينار، إن شاء الله. على (3) قولين:

أحدهما -وعليه الأكثر من أصحاب مالك -: أن هذا التقييد بالمشيئة لا يؤثر، ويلزم المقر مائة دينار، ولا يسقط عنه قوله -عقيب الإقرار- إن شاء الله.

حتى إن ابن سحنون ذكر أن أصحابنا أجمعوا على ذلك.

ولعله أراد من تقدم من أصحاب مالك، لأن محمدا (4) بن عبد الحكم قالا جميعا: إن هذا الإقرار غير لازم. وذكر ابن سحنون هذا المذهب عن أهل

العراق، وأن أباه سحنون أنكر هذا المذهب، وأشار إلى حجة أهل العراق على سقوط هذا الإقرار أن الشاهد لو شهد فقال: لفلان على فلان مائة دينار، إن شاء الله. فإن هذه الشهادة ساقطة.

ورد عليهم سحنون بأن قال: لو قال: له عندي ألف درهم إلا ألف درهم، أو قال: له عندي ألف درهم بل لا شيء له عندي، فإنهم قد جامعونا على أن هذا الاستثناء أو الاستدراك لا يؤثر ولا يسقط الإقرار، وإن أسقطوا ذلك؛ لأنه يشعر بالشك، والشك في الإقرار لا يبطله. وقد قالوا: لو قالوا (1):

لزيد عندي مائة دينار، وعقب ذلك بقوله: شككت في ذلك، وكان قوله متصلا، فإن ذلك لا يسقط الإقرار. فأشار سحنون إلى أن الإقرار إنما يصح إن ورد عقيبه ما يسقط بعضه كاستثناء قليل من كثير. وأما إذا أورد بعده ما يسقطه كله، فلا يؤثر ما أورد من ذلك، والإقرار لازم. وقد هجس في نفس ابن سحنون هذا المعنى، فقال لأبيه سحنون: هلا كان قوله: إن شاء الله، يؤثر في الإقرار ويسقطه كما أثر قول الحالف: والله إن فعلت كذا، إن شاء الله، أن اليمين ينحل. فقوله: إن شاء الله، يحل جميع اليمين، فكذا يجب في الإقرار.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٨١