تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمسلك الآخر: أنه لما فضل ها هنا، وأتى بلفظ الآحاد عاد الاستثناء إلى الدرهم الأخير، فيصير إذا عدناه (1) إلى الدرهم الأخير كمستثني الكل من الكل، فكان قوله: إلا درهما، راجعا إلى الدرهم الأخير خاصة فيبطل الاستثناء.

هذا حكم الاستثناء إذا كان من الجنس انفرد أو تكرر.

وأما إذا كان الاستثناء من غير الجنس مثل أن يقول: له عندي مائة دينار إلا مائة درهم، أو إلا عشرة أقفزة قمحا، أو إلا عشرة ثياب، أو إلا عشرة أعبد، إلى ما يشبه ذلك مما يتقدر بالكيل (2) أو وزن أو عدد. فهذا مما اختلف الناس فيه على ثلاثة أقوال على الجملة:

فمذهبنا ومذهب الشافعي صحة هذا الاستثناء والاعتداد به.

ومذهب محمد بن الحسن وزفر اطراح هذا الاستثناء وكونه لا يعتد به ولا يسقط من الجملة التي استثنى هذا منها شيئا.

وفصل أبو حنيفة فذهب إلى أن كل ما يقدر بكيل أو وزن أو عدد. مثال العدد أن يقول: له عندي مائة درهم إلا مائة بيضة، أو إلا مائة جوزة. فإن الاستثناء يؤثر ويعتد به ويسقط مقداره من الجملة الأولى التي كان الاستثناء منها. وإذا كان مما لا يقدر بكيل أو وزن أو عدد اطرح حكمه، ولزمته الجملة

الأولى التي استثنى منها بأسرها. وحكى هذه المقالة عنه محمد بن عبد الحكم وأنكرها فقال: لا فرق بين ما يقدر وما لا يقدر بكيل أو وزن أو عدد.

وذكر ابن سحنون أن استثناء الدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير مما يعتد به. فإذا قال: له عندي مائة دينار إلا فائة درهم طرح من المائة دينار مقدار صرف المائة درهم. وكذلك إن قال: له عندي ألف درهم إلا عشرة دنانير طرح من الألف درهم مقدار صرف العشرة دنانير. وأشار إلى الاتفاق على ذلك لكون الدنانير والدراهم كالنوع الواحد فحصل منه استثناء الشيء من جنسه. وقد قدمنا أن استثناء القليل من الكثير إذا كان من جنس واحد لم يختلف في صحة الاستثناء.

وأما إن قال: له عندي مائة دينار إلا عشرة أقفزة قمحا، فذكر ابن سحنون أن فيه قولين:

أحدهما: الاعتداد بهذا الاستثناء واطراح قيمة العشرة أقفزة قمحا.

والقول الآخر: إن الاستثناء باطل. وهكذا ذكر ابن المواز في استثناء الدنانير من الدراهم أن ذلك يعتد به ولم يذكر فيه خلافا. وكذلك لو استثنى ما لم يقدر بكيل أو وزن أو عدد مثل أن يقول: له عندي مائة دينار إلا ثوبا أو عبدا، فإن فيه القولين المتقدمين:

أحدهما أن هذا الاستثناء لا يعتد به.

والثاني أنه يعتد به. ويقال للمقر: صف الثوب أو العبد، وتحط قيمة ذلك مما أقر به من دنانير أو دراهم. فكذلك لو قال: له عندي عبدا (1) إلا ثوبا، لكان في ذلك القولان اللذان ذكرناهما عن حكايته بعض أصحابنا كما تقدم:

أحدهما: اطراح هذا الاستثناء وإلزام المقر عبدا. والثاني: الاعتداد به واطراح قيمة الثوب من العبد. والقول قول المقر في صفة ذلك كله: المستثنى والمستثنى منه.

وذكر بعض الأشياخ الحذاق أن في الاستثناء من غير الجنس قولين.

واختار القول باطراحه، وصرف إلى كونه ندما من المقر.

وهذا المذهب الذي حكيناه من اطراح الاستثناء من غير الجنس قولا على الإطلاق وجهه أن حقيقة الاستثناء بيان المراد بالخطاب وإخراج بعض ما يشتمل عليه الخطاب أو يصلح أن يشتمل عليه فإذا قال: له عندي مائة درهم، اشتمل ذلك على المائة كلها، فقوله: إلا درهما إخراج لبعض ما اشتمل عليه اللفظ الأول وبيان المراد به. فالقائل: له عندي مائة درهم إلا حمارا أو إلا عبدا لا يفيد هذا الاستثناء إخراج ما اشتمل عليه اللفظ الأول ولا بيان المراد به، فصار من الكلام اللغو المطرح الذي لا يفيد، فلهذا لم يعتد به، لأن الاعتداد به يبطل حقيقة ما ذكرنا من حقيقة الاستثناء وفائدته.

وأما الذاهبون إلى الاعتداد به فإنهم يقولون: المرجع في حكم العبارات ومقتضاها إلى اللغات، ولغة العرب يقع فيها كثير الاستثناء من غير الجنس فإبطاله إبطال لفظ جرى على ألسنة العرب وجاء به القرآن.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٧٩