والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
إذا وقع في الإقرار اضراب عنه بعد النطق به فإن ذلك لا يخلو أيضا من أحدهما: أن يكون إضرابا عن ذكر من يستحق.
والثاني: أن يكون إضرابا عن الجنس المستحق. فأما إن كان إضرابا عن من يستحق، مثاله قول القائل: لزيد عندي مائة دينار بل هي لعمرو. فإن هذا الحرف الذي هو "بل" عند النحاة وضع للإضراب عن الأول المذكور، وصرف ما نسب إليه من ذكر بعد حرف "بل". فأما المذكور أولا فإنه يغرم له ما أقر به وهي المائة دينار في قوله: مائة دينار عندي لزيد بل لعمرو. ولا خلاف في استحقاق زيد لهذه المائة على المقر. ويغرم لعمرو مائة أخرى باعترافه بها له.
ولا يسقط حق زيد في استحقاقه على المقر المائة دينار بإقراره لعمرو بمائة دشار. ويحمل ذلك على أن عليه مائتين: إحداهما لزيد والأخرى لعمرو، كما لو قال: لزيد عندي مائة دينار ولعمرو عندي مائة دينار أخرى.
ولو قال غصبت هذا العبد من زيد بل من عمروة لكان لزيد، ويقضى عليه لعمرو بقيمته.
وأشار ابن سحنون إلى مخالفة أشهب في حكم عمرو. فقال: قال أشهب قولا أباه سحنون وذلك أنه قال فيمن قال: غصبت هذا من زيد أو عمرو، بل من خالد: إن العبد لزيد، ويحلف لمن شك فيه. ولم يعجب هذا سحنونا لإجماع العلماء على من قال: غصبت هذا العبد من زيد بل من عمرو إن العبد لزيد، ويقضى لعمرو بقيمته.
وقد اتفق سحنون وأشهب فيمن قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمرو (1)
من زيد أنه يقضى بالعبد لزيد وعمرو نصفين بينهما، ويغرم لزيد نصف قيمة العبد إن أراد ذلك زيد. وإن أراد زيد أن يغرم له قيمة العبد كله فذلك من حقه لكونه لما قال: بل من زيد. أضاف غصبه لجميع العبد إلى ملك زيد، فليس له أن يغصبه عبدا كاملا. ويرد عليه نصف عبد. وهذا لما كان بالخيار بين أن يأخذ النصف على ما فيه من عيب الشركة وبين أن يرده على المقر ويغرمه قيمة جميع العبد، قال: وهذا يدل على قول سحنون: وكذلك لو قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمرو، بل غصبت جميعه من عمرو. فإن العبد يكون بين زيد وعمرو نصفين، ويطالبه عمرو بنصف قيمة العبد إذا شاء، لكونه استهلك هذا النصف عليه لاقراره به لغيره، ولكن بعد أن يحلف كل واحد من زيد وعمرو لصاحبه: أنه ليس له فيه حق. فإن حلفا كان الحكم ما ذكرناه. وكذلك إذا نكلا. وإن نكل زيد، الذي لم يقض له إلا بنصف العبد، عن اليمين، وحلف عمرو، فله أخذ جميع العبد على مقتضى إقرار المقر لقوله: بل هو لعمرو، ونكول زيد عن اليمين لعمرو. ولكن يكون نصف القيمة لزيد لاعتراف المقر أنه قد غصبه نصف العبد لما قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمرو. فقد يتضمن هذا القول أن زيدا يستحق نصف العبد، فإذا اتلفه عليه بإقراره أن جميعه لعمرو استحق قيمة ما تلف عليه.
ولو كان الناكل عن اليمين عمرو، وقد حكمنا له بنصف (قيمة العبد) (1) كله لزيد إذا ادعى جميعه وحلف عليه ونكل عمرو. ويبقى لعمر نصف القيمة التي أوجبها على المقر اقرارها (2) بأن جميعها (2) لعمرو. قال: وقرأت على سحنون قول أصبغ: لو قال: مائة دينار عندي لزيد من دين أو تعد أو وديعة، بل هي لعمرو. لغرم لكل واحد منهما مائة، ولو كان ذلك في سلعة فقال: هذا العبد غصبته من زيد بل من عمرو. فإن كان ذلك قاله قبل أن يقبض زيد العبد كان العبد بين زيد وعمرو نصفين.
ولو قال: غصبته من زيد، ثم قال بعد ذلك: من عمرو، وقد قبض زيد العبد: فإن. العبد يكون لزيد، ويغرم لعمرو قيمته. قال سحنون: أصاب إلا في الذي قاله في العبد فإن الحكم أن يكون العبد لزيد ويقضى عليه لعمرو بقيمته، سواء قال: بل هو لعمرو بعد أن قبضه زيد (1) وقبل أن يقبضه؛ لأنه إذا قبضه صار كالمستهلك له.
وهذا الذي ذكره عند أصبغ قد أشار إليه أيضا أشهب فقال: لو مات رجل ولم يترك وارثا سوى ولده، فقال ولده: هذه وديعة عندي لفلان وفلان معه.